عندما كنت جندية
                                    فاليري زيناتي
                                           ترجمة                       
                                   صلاح النصراوي
ج1 ف2
          
                                    والأن إلى البكالوريا
“فاليريي ي ي ي!”
ستة أيام بالأسبوع تصرخ “يوليا” بإسمي من تحت شباك غرفتي وهي في طريقها إلى المدرسة.
“أنا نازلة، حالاً.”
تلك كذبة صغيرة.حالاً تعني خمس دقائق، على أقل تقدير.حوالي نصف محتويات خزانة ملابسي مبعثرة على السرير، وأنا لم أرتد ملابسي بعد.ما الذي يجب ألا أرتديه؟ ماذا أختار؟ ربما الأخضر.مرة قال لي أحدهم إنه يجلب الحظ السعيد.ولكني لا أملك إلا جاكيتاً أخضر واحداً وهو متسخ الأن.مالذي ترتديه “يوليا”، هذه المرة؟ ليس بإمكاني رؤيتها جيداً.أنه بنطلون جينز وقميص أزرق، ربما بنطلون أبيض وقميص بنفسجي.أجول في الغرفة يمينا وشمالاً، أقلب الملابس دون أن ألقي بالحقيقة نظرة عليها.
لا قرار.رعب.
اليوم هو الأول في إمتحانات البكلوريا.التاريخ في الصباح، ومن ثم الدراسات التوراتية بعد الظهر.وبصراحة فأني لا أفكر فيهما كثيراً.
أنا لا أعرف مالذي أرتديه.
بسرعة ألتقط تنورة بيضاء من العلاقة بيد، بينما تعبث يدي الأخرى في ركام القمصان لكي تلتقط قميصاً اسوداً.أبيض وأسود.لونان متطرفان.الكل، أو لا شيء.مرة قال لي “جيدي” “كوني الأفضل أو الأسوء، ولكن لا تكوني وسطاً أبداً”.”جيدي” هو مدرس التاريخ ونصف التلميذات وقعن، أو لا يزلن، يقعن في غرامه (النصف الثاني قرروا عدم بحث الأمر، بل اخترن اقامة علاقات غرامية حقيقية).أسود أو أبيض اذا.فبالإضافة إلى أنهما يعبران عن فلسفة معينة فأنهما لونان لا ينمان معاً عن أية أخطاء في الذوق.
جهاز الإنتركم يثقب طبلتي أذني.”يوليا” غاضبة، وأنا لا ألومها، فالساعة الآن هي الثامنة إلا ربعاً.أمر من أمام أمي التي إرتدت وجه القلق.
“لم تأكلي شيئا.”
“لاتقلقي، لدي الكثير من البسكويت في حقيبتي.”
“هل ستأتين على الغداء، سأعمل بعضاً من ….”
المزيد من قرع الانتركم، أكثر تهديداً من ذي قبل.
“لا، سوف نتغدى لدى “راحيل”، والديها ليسا في البيت.”
تبدو محبطة.انه لأمر مؤذ، اذا ما غادرت بهذه الطريقة وقد أغضبتها فأني سأفشل في الامتحان، لامحال.
لذا أقول سريعاً:”إعملي شيئاً رائعاً لهذا المساء فسأكون هنا.”
تبتسم، وتقول “إكسري رجلاً”، وبعدها تهمس في اذني: “أعرف أنك ستنجحين.أنه أمر عادي بالنسبة لك.”
يوماً ما على أن أتحرى لماذا أن تعبير “كسر رجل” يعني حظاً سعيداً.لابد أن هناك منطق وراء ذلك، ولكن ليس بإستطاعتي أن أدركه الآن.كما أن على أعرف لماذا لدى أمي كل هذه الثقة بي في حين أنني دائماً ما أشك في نفسي.ولكن بالتأكيد لن أجد إجابات كل ذلك في كتب المراجع التي لدي.
تتكئ “يوليا” على الحائط وهي تقرع بنغمات سريعة صغيرة بأضافرها الطويلة والقوية.
“لقد تأخرتي طويلاً.هل قررتي أن تتخلي عن البكلوريا وأن تصنعي لنفسك مهنة محصلة في “اكسترافارم”.هل ذلك ما تبغينه؟”
“لا، لم يكن بوسعي أن أعرف ما الذي سأرتديه.”
“حسناً، لقد وجدتي شيئأ.وفي الحقيقة، فأن هذه التنورة ليست سيئة.لكن ماذا دهاك؟ تذكري أنه إمتحان كتابة وليس إمتحاناً شفهياً.”
“أعرف ذلك.ولكني كنت أريد أن أشعر بأني حسنة المظهر-وحتى جميلة.للجمال بذاته.إنه من أجلي.”
“نعم، هذا صحيح.”(لم يكن بوسعها أن تبدي إهتمامإ أكثر)، “إذن، ماهو شعورك الأن؟”
“غريب….”
“عدا ذلك؟”
“شاذ.أشعر بخواء.في غربة.حسناً، تعرفين ما أعني.”
“لا، لا أعرف.”
“هيا.أنه مجرد إمتحان مثل غيره.بالنتيجة أنهم لا يتوقعون منا أن نعرف الأن أكثر مما نعرفه طيلة العام.ولكن في نفس الوقت فان كل واحد يحاول أن يجعل منه شيئاً مهماً.منذ أن إنتقلت إلى الصف الأول وأنا أسمع الكثير عن البكلوريا.مدرس اللغة الانكليزية كان يقول:”عليك بالعمل على التحضير للبكلوريا منذ الأن.الآخرون كانوا يقولون:سترين مالذي تعنيه البكلوريا.إعتقدت حينها أنها مسألة حياة أو موت.أي أحد سيجتازها فأنه سيكون إنساناً خارقاً.أشعر هذا الصباح وكأنني لست أنا هي التي تمضي معك الى المدرسة.كأني ارى نفسي اقوم باشياء دون اكون انا فعلا من يقوم بها.”
“ذلك لأنك تفكرين بـ”جين- ديفيد.”
هاهي تضيع فرصة كان بإمكانها ان تبقي فيها فمها مغلقاً.لو أنها وجهت قبضتها اليمنى نحو فكي لكان ذلك أرحم مقارنة بما قالته.نستمر بالسير نحو بوابة المدرسة.
“راحيل” وصلت قبلنا.تأتي بإتجاهنا.عيناها تلمعان ونفسها متقطع.تلك هي الإشارات التي تعرف من خلالها أنها أما قلقة، أو مضطربة.دائماً ما ترفض أن تعبر عن مشاعرها بالكلمات.حين أخبرها “ليرون”، أول صديق لها بأنه يحبها قالت له أنه ليس جاداً، وأنه سيتجاوز ذلك.لم يحاول مرة ثانية وإنفصلا بعد ذلك بقليل.كان عليه أن يكون أكثر فهماً لها، لكنه هو نفسه كان غريب الأطوار.
“إنه لأمر مزعج”، تقول لنا.”هناك ست قاعات للإمتحانات، وأن ترتيب الجلوس سيكون حسب الحروف الأبجدية.
أسم عائلتها يبدأ بالباء، “يوليا” بالكاف وأنا بالزاد، نحن الثلاث نغطي كل الأبجدية.هناك أوقات أظن فيها أننا نمثل العالم كله بكل تنوعاته.
يقرع الجرس.نقبل إحدانا الأخرى ونتمنى لكل واحدة منا حظاً سعيداً، بينما يراقبنا الآخرون.تقبيل الأصدقاء عادة فرنسية صميمة.”يوليا” تحب تلك العادة بعد أن شاهدت فلما لـ”صوفي مارسو” مرات عديدة(سراً، كانت تشعر أنها شبيهتها).
يمضي قطيع الطلبة إلى غرف الإمتحان.هناك البعض ممن لا يزال يراجع، يتأكدون من التواريخ، يسألون عباقرة المدرسة عن أي خيط.هؤلاء العباقرة الذين عادة ما يكونون بنات يبدون مرعوبات ويبدأن بالصراخ:”لقد نسيت كل شيء، لقد نسيت كل شيء.آخرون يبدون خارج الزمن، هناك إثنان يلفان ذراعيهما أحدهما حول الآخر كأنهما في عالم ثان وكأن مجرد إظهار الحب أمام الآخرين هو جواز سفر إلى البلوغ.بالعبرية، وأظن بالألمانية، البكلوريا تعني البلوغ.
إمتحان التاريخ (الذي هو بثلاث درجات) ينقسم إلى قسمين.
تاريخ “الهولوكوست” (درجة واحدة).
التاريخ العام (درجتان).
ذلك هو التاريخ.”الهولوكوست” منفصل، إنه موضوع تاريخي ولكنه مع ذلك خارج إمتحان التاريخ نفسه.قسم إجباري، موضوع قائم بحد ذاته.ليس موضوعاً عابراً، مثل قصة “دريفوس”، الحروب النابليونية، العصر الذهبي ليهود إسبانيا، أو الحروب الصليبية.ليس هناك إسرائيلي واحد يجلس لإمتحان البكلوريا دون أن يمتحن بـ”الهولوكوست.ستة ملاين ماتوا، إشرح متى، من، أين، كيف ولماذا؟عليك أن تكون دقيقاً في الأرقام، في التواريخ، مع أسماء الجلادين، تحفظ فصول من كتاب “كفاحي” وشعارات الدعاية النازية، تعرف أسماء المعتقلات، بتسلسل فترة بنائها، تميز بين معسكرات السخرة، ومعسكرات الموت، تعرف أنه كانت هناك حياة بكاملها وثقافة في الغيتوات، المدارس والإنتاج المسرحي، دور الاوبرا.تذكر إملاء كلمات “اينساتغربون” و”اوبرستاربانفير”،لا تنسى عمليات الفرز، أولئك الذين على اليمين يتم إعدامهم بغرف الغاز فوراً، أولئك الذين على اليسار سيعيشون فترة أطول قليلاً، يموتون كل يوم.احفظ عن ظهر قلب قوانين “نورمبرغ”، من هناك بدأت الإبادة.يتم إنتقاء الناس ثم يعزلون، ثم يؤشرون-تلك هي عملية قتل بطيئ.الحل النهائي، مؤتمر “وينز”،أقرأ كل ما بوسعك عن هذه الموضوعات، دون ملاحظاتك، رتب أوراق المراجعة.إنها قصة مهولة، تروى خلال آلاف الكتب والفصول والأجزاء، قصة إبادة يهود أوربا، ألمانيا، فرنسا، هولندا، بلجيكا، بولندا، روسيا، تشيكوسلوفاكيا، ويوغوسلافيا (كما كانت تعرف حينذك)، اليونان، هنغاريا، إيطاليا.يا الاهي كم تبدو أوربا بلاداً مهولة.
وهكذا، إمتحان “الهولوكوست” هو بداية إمتحانات البكلوريا، وهو أول خطوة نحو طريق البلوغ.
أجلس، ومثل كل الباقين أضع قنينة ماء أمامي.شيء مذهل كمية المياه التي يشربها أحدنا خلال الإمتحان.أوراق الإمتحان على وشك أن توزع ورويداً، رويداً تختفي الهمهمات.الأن ما عدنا نتواصل الا عن طريق الإشارات.ينفخ كل من “ألون” و”ميكي” وجنتيهما، وتتقلب عيناهما، في إشارة إلى أنهما يتوقعان صعوبة الإمتحان، أما “تال” و”رافي” فأنهما يقومان بحركة ساخرة بوجهيهما، محاولين إمتصاص بعض التوتر خارج اللحظة. يبدو الأولاد مشدودين أكثر من البنات، البعض وضع رهاناً على أي من الأسئلة ستأتي في الإمتحان.الساعة هي الثامنة إلا دقيقتين.تأتي نائبة المدير حاملة معها ظرفاً بلاستيكياً أسمراً كبيراً.تديره من كل الجهات لكي تبرهن أنه محكم الإغلاق، ومن ثم تخرج الأوراق منه وكأنها أثمن ما يمكن أن حملتها أيدها خلال سنين طويلة.
الإرشادات، التي ستردد كل يوم وسنحفظها جميعاً عن ظهر قلب، يقرأها “أفي” طالب الرياضيات الغريب الأطوار الذي يكاد صوته يخرج بالكاد من زوره.
“سيبدأ الإمتحان عند الساعة الثامنة تماماً، وينتهي عند العاشرة بالضبط.ومن ثم سنقوم بجمع الأوراق ونوزع أسئلة إمتحانات التاريخ العام.ذلك الإمتحان سيستغرق مدة ثلاث ساعات.إستخدام الحاسبات ممنوع بتاتاً.
اسم العائلة أولاً:
رقم الهوية:
تاريخ الميلاد:
….وكذلك إستخدام القواميس….
المدرسة:
تاريخ الإمتحان:
مادة الإمتحان:
الدرجات:
“إذا أردتم إستخدام الحمامات، فلابد من الذهاب بصحبة مرافق.بإمكان شخص واحد فقط مغادرة القاعة في وقت واحد.لايمكنكم ترك القاعة لأكثر من خمس دقائق….”
تاريخ “الهولوكوست”.درجة واحدة.
“هل لي بتذكريكم بأن لديكم خياران.لاتنسوا ذكر أي خيار من الأسئلة إخترتم.وهل لي أن أذكركم بأن عليكم عدم كتابة أسمائكم على ورقة الإمتحان لأي سبب..لا يجوز لكم كتابة الأسم، أو شيء بإمكان الممتحن أن يتعرف عليكم من خلاله.”
السؤال الأول:19351938.صف، ومن ثم علق مع التأكيد على الأحداث المهمة التي وقعت خلال هذه السنين الأربع فيما يتعلق بتطبيق سياسات الإضطهاد النازية تجاه اليهود.*
السؤال الثاني:غيتو “وارشو”، 19401943.
هناك جو من الراحة يهيمن على القاعة.الواضح أن البعض قد كسب رهانه.أتردد قليلاً بين السؤالين.الأول تقني إلى حد ما، واضح، ما عليك الا ان تشير إلى قوانين “نورمبغ” وليلة الزجاج.*، لتحليل التطورات المتعلقة بالعنف الإجتماعي الذي شجعه القانون، ومن ثم بدء العنف البدني، تدمير الممتلكات وأخيراً تدمير الحياة البشرية.السؤال الثاني أوسع كثيراً.الغيتو هو الحياة والموت جنباً إلى جنب، عوائل تكدس معاً، العمل الإجباري، الجوع، المرض، الأغاني، الثقافة، التنكيل، الإذلال، العزل، والتمرد الذي يقوده حفنة من الشباب الذي كانوا في أعمارنا.أعمارهم ستة عشر، سبعة عشر، ثمانية عشر، يحملون البنادق في آياديهم، مع قليل من الرصاص لكي يقفوا بوجه الجيش الألماني لأكثر من شهر، بندقية، وبضعة رمانات وقليل من الطلقات، في مواجهة الدبابات وأيضاً الطائرات.كانوا يعملون أي شيء لكي يموتوا مرفوعي الرأس، كمقاتلين، كجنود، يواجهون جنوداً آخرين وليسوا كضحايا يواجهون جلاديهم.أنا لم أعد في قاعة الإمتحان، لم أعد أجلس لإمتحان البكلوريا.أقف أمام واحد من قادة التمرد في غيتو “وارشو”، “موردخاي أنيلفيتش” الذي رأيت صورته في متحف “ياد فاشين”.صورة بالأسود والأبيض، باهتة قليلاً، لرجل جميل المحيا وصارم الملامح، من الطبيعي أن يكون جميلاً وصارماً.وأنا كذلك سأكون قريباً جندية وسأحمل السلاح بيدي، ولكن ليس هناك من مقارنة بين الأثنين، والمثال الذي ضربته مثير للسخرية.
أتيح لعقلي أن يحلق بينما الوقت يمضي…تك… تك..تك.بإمكاني القول أني لو أخترت سؤال الغيتو فسأكتب قطعة من الشعر.سأضع جملاً حزينة ومثيرة للعواطف، وأظني سأبكي كذلك.ستغرق دموعي الورقة الإمتحانية وسأفقد بالنتيجة عشر درجات.(تحسب الدرجات على أساس مائة بالمائة وحسب ما يقوله المعلمون فان الأجوبة يجب أن تكون جيدة لكي تنال الدرجات العشر.)

*(نوفمبر 10/ 1938 ليلة تعرض فيها اليهود الى مذابح في المانيا)
علي اذاًَ أن أختار السؤال الأول.
طالب الرياضيات يعد الذباب.بين حين وآخر يمشي بين الصفوف، يتظاهر بأنه مهم.كل ربع ساعة يعلن كم الوقت تبقى.يبدو حزيناً.ربما هو أيضاً ينتظر، ينتظر نداءً تلفونياً لا يأتي أبداً.أو ربما ما هو أسؤ من ذلك.هو لم يقع بالحب من قبل فالرياضيات هي كل حياته.
خلال فترة ثلاث سنوات أسس النظام النازي جهازاً للقمع في إطار القانون.إنطلقت آلة الكراهية التي تقود كل شيء، من الفصل العنصري داخل المجتمع إلى تدمير الإملاك والحياة نفسها.نظام من الرعب تم بناءه تحت أبصار الأمم الأوربية الأخرى.هنا بدأت كتابة أكثر صفحات التاريخ الإنساني ظلاماً.
عضدي يؤلمني ولكني أشعر بسعادة مع نفسي.كتبت ثمان صفحات وأظن أنها واضحة بما فيه الكفاية.وأخيراً أرفع نظري للمرة الأولى منذ ساعتين.أولئك الذين إنتهوا ينظرون بعين أحدهم الآخر.”ألينا” و”رينات”، البقرتان الممتلئتان تجران أنفاسهما بصعوبة بينما تدونان جملاً سريعة في اللحظات الأخيرة، وبعدها يبدأن التوسل إلى طالب الرياضيات لكي يدعهما تكملان.كلمة واحدة أخرى فقط، مجرد ربع نقطة فقط، ربما…
لا وقت لدينا لكي نلاحق أنفاسنا.علينا أن نولي إهتمامنا لورقة إمتحان التاريخ العام.نعيد كتابة أسمائنا، الموضوع، التاريخ.هناك ثلاثة أسئلة مطروحة.
1-مولد الأمم المتحدة؛
2-الحرب الأهلية الأمريكية؛
3-ثورة أكتوبر.
لا أتردد ولو للحظة واحدة، وأبدأ على الفور الكتابة عن الموضوع الثالث، حتى قبل أن أبد بالتفكير حوله.أبدأ هكذا:
ساعد حكم القيصر “الكسندر الثاني” على إنطلاق مشاعر الأمل في روسيا إلى حد كبير.كان يتهيأ لكي يمنح روسيا دستورها الأول حين قتل عام 1881.اما “الكسندر الثالث” فقد كان بعيداً جداً عن متابعة تلك الثورة الديمقراطية وأمعن في إخضاع شعبه وولد ذلك إحباطاً وغضباً.
مضيت بعيداً، أدرك ذلك.كانت ثورة أكتوبر عام 1917 وليس عام 1881.أي ممتحن نحس سوف يشطب الفقرة الأولى برمتها بجرة من القلم الأحمر، ليس لأن بإمكاني رؤية ذلك ولكن لأنه سيشعر بحالة أفضل.لا حيلة فأنا من المعجبين بـ”الكسندر الثاني”.أنا اتحدث عنه في أية مناسبة.ربما يعود الأمر إلى فلم رائع كنت قد شاهدته حوله وحول عشيقته “كاتيا”.لقد قرأت بنهم كل ما وقع تحت يدي بشأنيهما.يقال أن “كاتيا” هي التي أقنعت القيصر بأن يتبنى السياسات اللبرالية وأنها كانت ملهمته.عندما يروقني الأمر فأني أنحو إلى الإقتناع بمثل هذه الإشاعات (حتى حين يكون قد أضفي عليها طابع رومانسي جدي).ربما أراد “الكسندر” تتويجها امبراطورة بعد وفاة زوجته.(كانت توصف في الكتب التي لدي بانها عجوز لا لون لها، هزيلة مثل خيزرانة، بملامح صارمة، أي بمعنى آخر كانت نقيض عشيقته).لم يكن لديه متسع من الوقت، وبالتالي فأن “كاتيا”، وأسمها الكامل “كاترينا دوغلوروكي” نحيت جانباً من قبل العاهل اللاحق.غادرت بعدها إلى فرنسا حيث توفيت في “نيس”.
على أي حال، إن مجرد ذكر أسم “الكسندر الثاني” يضعني في مزاج رائق، وفي نهاية يوم الإمتحان هذا أشعر بثقة عالية.
في الفرصة التقيت بـ”راحيل” و”يوليا”.كانت الأولى مطأطأة الرأس، أما الثانية فمتوترة.لم يكن لدي الجرأة أن أسأل اي سؤال.”يوليا” تضع ذراعها حول “راحيل” وأنا أفعل الشيء ذاته، دون أن ننبس ببنت شفة.نبقى هكذا لدقائق، نهزها برفق، ونتجاهل نظرات المارة الذين يتجمعون حولنا وكأن هناك حادثة.
“هل تردن ساندويتشات، أم أننا سنذهب للغداء عندك كما خططنا؟” أهمس.
تحدق بالأرض، ثم تحول عينيها بحدة نحوي، بنظرة ملئها فرح زائف، أحسها مؤلمة.ليس بالإمكان تخمينها.”بالطبع، سنذهب إلى بيتنا.أمي ملئت الثلاجة برمتها، وجعلتني أقسم لها باننا سنأتي على كل الطعام الذي فيها.”
“هيا بنا نجري، إذن.”
“هيا.”
ذلك مانفعله دائماً.شيء ننفرد به نحن الأثنتين.في اللحظة التي يكون هناك شيء ما في داخلنا فأن الأخرى تقترح الجري.ليس المهم من سيفوز.”راحيل” هي التي تفوز لأنها بطلة المدرسة بركضة مسافة ال 100متر وال 400 متر(بغض النظر عن المسافة فأنها تغلب الصبيان ونحن نفخر بذلك كثيراً).ما يهم هو ذلك الشعور الذي يربطنا به الجري سوية.فنحن نرمي وراء ظهرينا كل ما يمكن أن يزعجنا، أي شيء يمكن أن يقلقنا.إنها وسيلة أخرى للهروب من أنفسنا.
لا تزيد المسافة إلى حيث تسكن “راحيل” عن مائة متر.ننتظر “يوليا” التي تمشي هويداً هويداً.ملامحها تنم عن الفوقية، مثلما هو غير مفهوم.بإمكاني أن اسمع كلمة “صبياني” تتردد في رأسها حين ترسم تلك الصورة على وجهها.حين تكون على تلك الهيئة، تبدو صداقتنا وكأنها في مهب الريح.بدأت أشعر بذلك منذ بضعة أشهر، وتأكدت منها اليوم.أضغط على نفسي لكي افكر بشيء آخر، عن الأسئلة التي سوف تأتي في إمتحان الكتاب المقدس بعد ظهر اليوم.
“لقد أصبت برعب حقيقي في إمتحان التاريخ العام”، تهمس “راحيل”.لم اكتب شيئاً، لا شيئ على الإطلاق عدا أسمي وبعض التفاصيل.”
أعصر يدها بقوة.أعرف أنها لن تخبر أحداً بما أسرتني به الأن.إنها شديدة الفخر بنفسها، كتومة، معقدة والبعض حتى يقول أنها ملتوية.ولكني أحبها مثل أختي، كأنها مثيلتي، صديقة بإمكاني أن أقسم يمين الإخلاص لها مدى الحياة، حتى الموت.
عاصفة الإمتحانات تتجدد بسرعة، وطقوسية الإرشادات تجعلني أشعر وكأنني أمثل نفس المشهد، مرة تلو الأخرى لمجرد الإمتاع السادي للمشاهدين الغامضين.
الدراسات الإنجيلية.عالمية رسالة النبي “عاموس”.
البايولوجيا:ميكانزما الـ دي. ان.اي.
اللغة الأنكليزية:خطاب “مارتن لوثر كنغ”” لدي حلم.”
الأدب:البطل المضاد عند “ديستيوفسكي”.
بعد إنتهاء إمتحان الأدب طرأت لدى “جين-ديفيد” تلك الفكرة السيئة في أن يتصل بي هاتفياً.كان متلعثماً ويداخله شعور بالذنب والحرج، وهو يحاول أن يشرح لي، مع الكثير من عدم التركيز والإرتجاف في صوته، أنه إلتقى ببنت في القدس وأن الأمور تجري بينهما بشكل جيد.قال أنه يأسف على ذلك.لكني كنت سأذهب إلى الجيش على أي حال، ولن يكون بإمكاننا أن نلتقي بإنتظام، سألتقي بأناس أخرين، أبدأ حياة جديدة.من الطبيعي أن بإمكاننا أن نبقى صديقين.هو يرغب أن يراني مرة ثانية.أجيبه بصمت طويل قبل أن أقول له وداعاً مصحوبة بأهة مع أول دمعة، ثم أجري لكي أبكي في ذراعي “راحيل” و”يوليا”، لوقت طويل.
يعلم الله وحده مالذي إرتديته في امتحان الرياضيات في اليوم التالي.لم أذرف دمعاً كما فعلت حين أجبت على أسئلة إمتحان “الهولوكوست”، ولكن حين جاء دور مسائل المثلثات، والتي لا أستطيع عادة حلها بشكل كامل، كان هناك قليل من البقع الصغيرة.
سأجتاز البكلوريا، ذلك شيء يكاد يكون مؤكداً.ولكن مهما كان الأمر فأنه لا يقلقني الأن.أنا مجرد جرح يمشي.حين تطلع النتائج في أكتوبر سأكون جندية.سأعيش في ذلك العالم الغريب الذي تدخلة مراهقاً، وتخرج منه على ما يبدو، ناضجاً.
***
                                  عندما كنت جندية
                                    فاليري زيناتي
                                          ترجمة                       
                                   صلاح النصراوي

منذ عدة سنوات قمت بترجمة رواية الكاتبة الفرنسية الاسرائيلية فاليري زيناتي “عندما كنت جندية” بعد ان قرأتها بالانكليزية واثارت انتباهي شكلاً وموضوعاً.ورغم ادراكي للمواقف المعارضة لترجمة الادب الاسرائيلي الى العربية الا اني كنت، ولا ازال، اعتقد ان الاعتراضات بشأن نقل ذلك الادب الى لغتنا لا تتسم بالحكمة ولا بالموضوعية وهي تدخل اما في خانة الجهل والغباء او في خانة المزايدات المبتذلة التي عانت منها القضية الفلسطينة على مر تاريخها المرير.تقدمت الى احد الناشرين البارزين في القاهره بالترجمة لطبعها الا انه لم يتكلف حتى بالرد وعذرته لاني كنت متيقنا من خشيته من السهام التي قد تطاله، ولم اكرر التجربة.ثم جاءت الثورات العربية واخذت من مشاغلنا بها ومن حياتنا ما أخذت حتى نسيت تلك الترجمة وخشيت ان تختفي من ملفات الحاسوب او يطوي نسختها الورقية الغبار.وها انا اقدمها هنا على مدونتي متسلسلة، متحملا كل مسؤولية ادبية وسياسية واخلاقية عن ذلك.لقد عشت حياتي كلها لصيقا بقضية فلسطين ومأساة شعبها وفترات طويلة قريبا من فصائلها المناضلة ومن قيادتها التاريخية واخالي اجزم ان من ضيع فلسطين والحق بشعبها تلك الكارثة هي الحماقة التي اعمت اجيالا من العرب عن معرفة الاسرائيلي وكيف يفكر ويعمل وهي المقاربة التي كان ينبغي ان تصدم كل عربي منذ ان قال موشي ديان ان العرب لا يقرأون..

الجزء الاول

                                 ثلاث بنات وسط الصحراء
“نحن ثلاث فاشلات في أرض الفاشلين”، تقول “يوليا” وهي تلفظ كلماتها وترفع حاجبيها بتعبير لا يسمح لاحد أن يجادلها فيه.”هذا جحر العالم”، تمضي بالقول، “ولا يمكن أن يأتي شيء مميز من جحر العالم هذا.”
أنظر إلى تلك العينين الزرقاوين اللتين تفخران بهما، خاصة بعد أن ألبستهما عدستين لاصقتين.في السابق كانت ترتدي نظارات بلاستيكية ذات عدسات سميكة، بشعة، كما أن عينيها كانتا تعانيان من إنحراف وبعد نظر وإستكماتزم، وكما كانت تقول عمتي، فان عينيها كانتا تومضان.لقد تحملت كل ذلك العبأ طيلة سنين طفولتها.ولكن منذ أن إستبدلت النظاراتين بالعدستين الصغيرتين فكأنها كانت تسعى لأن تجعل العالم كله يدفع ثمن الإذلال الذي كانت تشعر به.الأن بدأت تنتقم.أحياناً كل ما تستطيع أن تراه في عينيها هو غضب وإحتقار، أو حتى أخس من ذلك.حين تتكلم مع اساتذتها، أو مع أحد الأولاد، تكذب، في حين أن عينيها، زرقاوتان وشفافتان، تلبسان قدراً لا يمكن تخمينه من البراءة.أنا أكره تلك العينين الزرقاوتين الكبيرتين.أنا أكره عيني صديقتي المفضلة، كراهية حرباء غاضبة، عاجزة، مثلما أشمئز من الطريقة التي تتكلم بها أحياناً، بفم ممزوز، مليء بالنتانة، وكأنما تحاول القول أنا حرة الأن.”أنا لم أعد تلك البنت الصغيرة، اللطيفة.”
على أي حال، إنها صديقتي، علي الإقرار بذلك، وهي بدورها تقر بذلك أيضاً.في المدرسة يصفوننا باننا صنوان، لا يفترقان، ليس بإمكان أحد أن يصادف أحدانا دون أن تكون الأخرى هناك.نجلس جنباً إلى جنب، منذ أربع سنين، ونكلم احدانا الأخرى بمعدل ثمان مرات يومياً.عندما لا أكون معها أكون مع “راحيل”، صديقتي المفضلة الأخرى.
كلاهما ولدتا في ما كان يدعى سابقاً بـ”الإتحاد السوفيتي”.”يوليا” تنحدر من “طاشقند” في “أوزبكستان”.هي مغرمة بنطق هذه الأسماء، “طاشقند”، “سمرقند”، كأنما تتعامل مع كنوز تلمع في زاوية كل شارع هناك.أمام الآخرين القادمين من “روسيا” تشدد دائماً أن والدها من أصول ألمانية، وأن أمها رومانية.وبإمكاني القول أنها تشعر بالخجل من “أوزبكستان” التي يظن الآخرون بانها لابد أن تكون الموضع الذي يقع فيه جحر العالم.شخصياً ليس لدي أية فكرة واضحة عن تشريح جسد الكرة الأرضية.
“راحيل” ولدت في “بيندري”، وهي مدينة صغيرة بالقرب من “كيشينيف” في “مولدافيا”.عندمت تلفظ أسم مدينة طفولتها، فانها تشدد على الياء، كما ينزلق صوت الراء، مثلما يفعل الناطقون باللغات السلافية، وهي تطيل الياء الأخيرة مصحوبة بإبتسامة.بالتأكيد أنها ممن يدعون بمرضى الحنين للأوطان.
ولدت في “نيس” في “فرنسا” وهو ليس أمراً عادياً.بل هو امر مثير للإنتباه.ذلك ما يجعلني بالنسبة للجميع، مختلفة، نوعاً ما عن الآخريات كما يجعلني مثيرة للفضول، أو حتى فاتنة للبعض.كل ما علي هو أن أفتح فمي حتى يجتمع الناس من حولي.دائماً ما ييسر ذلك معرفتي بالناس، لكن من الممكن أن يكون الأمر أيضاً مثيراً للضجر، خاصة اذا ما تطلب الأمر أن تقول شيئا بالفرنسية… بودلير، كاميمبير، سوليتود، اينفانت تيربل، أي شيء يمكن أن يخطر على بالي.ما يهم بالنسبة لهم هو الأصوات التي تأتي منها، خاصة كلمات تحتوي على الأصوات، أي ، أو، آ، دو، دا، دينودو، كل الأصوات التي لا تتوفر في لغاتهم، والتي يجدونها مثيرة وغريبة.والفضل يعود إليهم أنني أكتشفت أن اللغة هي أولاً وأخيراً نوع من الموسيقى، وأنها تجميع للأصوات.وهم يحبون أي شيء يمكن أن أقوله لهم، لأني لا أستطيع التفكير في ما يمكن أن أقوله لأناس لا يفقهون كلمة مما أقول.ذلك يفطر قلبي لأني بالحقيقة أحب الكلمات، أنا مغرمة بها، وأبدي إحتراما لها وأحاول أن أسبر أغوارها الغامضة، وأن أستخدمها بتأن في كلا اللغتين؛ لغتي الأم الفرنسية، واللغة الأجنبية، العبرية.
لكن أي من الآخرين لم يكن ليكترث بذلك ولم يتوقفوا من القول ،”رجاء قولي شيئاً بالفرنسية.”
نحن نعيش في “بئر سبع”، مدينة يسكنها حوالي 100,000 من البشر، وتقع في صحراء النقب في إسرائيل.من السماء تبدو المدينة شبيه بـ”اطلانطا” (عدا بناية السي.ان.ان والملعب الأولمبي)، مكعبات رمادية تقوم على رمال رمادية.وأي إنسان يعتقد إن الصحراء هي مجرد إمتداد للرمال الصحراوية البيضاء تتخللها واحات صغيرة هنا وهناك، لابد وأن يكون من أولئك الذين يكثرون من مشاهدة أفلام الكارتون.يالهنائهم، دائماً ما أغبطهم.
منذ أن وصلت إلى هنا قبل خمسة أعوام مع والدي وشقيقتي وأنا على إعتقاد أن الصحراء قميئة، ومضجرة، وبلا أية غاية.الشمس فقط والتي تغيب كل مساء ببريقها المتوهج هي التي تبرر حقيقة أن لا شيئ غير ذلك هناك.
لدي صديقتان مفضلتان روسيتان ذوات عيون زرقاوتين وشعر كستنائي، لكنهما لا يشبهان بعضهما إطلاقا.نحن بلغنا، على وشك أن نبلغ، الثماني عشرة عاما.خلال شهرين سوف نمر بإختبار البكلوريا المرهق.
وخلال ستة أشهر، بالإقل، سنتستبدل قمصاننا ذات الكم القصير بقمصان وسروايل الخاكي.الجيش سيكون بإنتظارنا.الجنديات “يوليا”، “راحيل”، وأنا.
حالياً نضطجع على العشب وسط حذوة الحصان التي تشكلها العمارات السكنية التي نعيش فيها.العقار يدعى “المنطقة السكنية للمهاجرين الجدد”.ليس هناك أية علامة تقول بالإبتعاد عن العشب، كما أن الناس هنا يتكلمون نحو خمس عشرة لغة مختلفة.
نحن نتكلم عن الليلة الماضية، ونعيد تكرار ما قلناه مرات عديدة، عن الحفلة التي أقمناها في منزل “إيلان”، هو واحد من مجموعة صبية أخذوا يصبحون قربين منا.
“نفس القصة القديمة”!، تتذمر “يوليا”.”بعض الكوكولا، بعض “الفودكا”، والأولاد يرقصون مثل بطات سكارى، البنات يشعرن بالضجر، أنت تتعرقين ويذبل مكياجك فتذهبين إلى الحمام لتضعي طبقة جديدة، ولكن لمن، لمن؟”
“راحيل” وأنا نأخذ القرار الصحيح، بأن نبقى صامتتين بعد أن شعرنا بذلك الملل.نحن معتادتان على تأوهات “يوليا”.بعد دقيقتين ستقوم واقفة وتمزقنا إرباً أربا، بجملة حادة واحدة، نحن وجحر الجحيم هذا، أو أنها ستغير الموضوع إلى آخر جديد تماماً…مثلاً.
وهي بطبيعة الحال ما تفعله الآن.
“على أي حال.الجميع كانوا ينظرون إلي طيلة الليلة.أنا أحياناً أتساءل لماذا..بالتأكيد ليس لأني أرتدي ثوباً أنيقاً، مثلك يا “فال”.”
أسرق نظرة سريعة إلى “راحيل” التي لا تحاول أن تخفي إبتسامة ماكرة.
“نعم” توافق “راحيل”:جثوا جميعاً تحت قدميك، متيمين، سائلين الشفقة، مستسلمين، مثيرين للسخرية…إنه وضع تعجز الكلمات عن التعبير عنه.من أخترت في النهاية؟
نظرة غاضبة من “يوليا”.
شعور من الإشمئزاز يهبط في داخلي.
اذا ما أستمر الأمر على ما هو عليه فسيكون هناك شجار، صراخ، ثم تبادل للشتائم.يزلزلني الغضب.كلما يرفع الآخرون أصواتهم يشحب لوني، ثم يحمر، وأبدأ بالإرتعاش.أقف هناك صامتة، وتبدأ عيناي بالحكة، وأشعر كم أنا غبية، وبلا جدوى.وسرعان ما أغير الموضوع.عن إمتحان البكلوريا، مثلاً.
هل انتهيتم من ملاحظاتكم حول “الجريمة والعقاب”؟
“نعم”، تجيب “راحيل”، “لكن لدي مشكلة.ففي الروسية الكلمة هي الجريمة أما بالعبرية فانها مترجمة إلى “إثم”، وهي ليس كذلك.”راسكولينيكوف” يرتكب جريمة، نقطة.”
“لكن الجريمة إثم”، أجيب.”لابد وأن ديستوفيسكي رأها كذلك، فلقد كان مؤمناً شديد الإيمان.”
“ماذا عن “الغريب”؟ تقاطع “يوليا”، “هل أنتهيت منها؟”
“لا مشكلة لدي فيها، فقد قرأتها ثلاث مرات.ولقد أنهيت كل ملاحظاتي حول كامو، الجزائر، اللامعقول، عقوبة الإعدام… دعونا نأمل أن تأتي الأسئلة عن ذلك.”
“لذلك، ليس من الغريب أن تكوني مغرمة به، أنه فرنسي.”
“وماذا في الأمر؟ لا شأن لهذا بذلك.هل أنت مجنونة بـ”ديستوفيسكي” فقط لأنه روسي؟”
“كلا”، تجيب “يوليا”.
“نعم”، تعارضها “راحيل”.
“هل ستعيرينني ملاحظاتك عن “كاميل؟”، تسألني “يوليا” دون تكلف.
“حاولي أن تلفظي أسمه بشكل صحيح ولو لمرة واحدة.”كاميل” أسم امرأة، أسمه “كامو”..كام..او.اما بالنسبة للملاحظات ف…. فلا جدوى لك بها فقد كتبتها بالفرنسية.
انا متأكدة أنها لاحظت ترددي من الطريقة التي أشاحت بها وجهها بشكل حاد.ولكن ظلت هناك إبتسامة صغيرة إرتسمت على شفتيها وهي تطوي بذقنها إلى أمام.
“يا بنات أنظرن من الآتي.”
نجول بنظراتنا نحو الجهة التي نظرت إليها.إنها “ألينا”، أو دورق الألوان، كما نسيمها، تمضي نحونا.هي من ضمن الأشياء الخمسة التي تدور حولها احاديثنا المفضلة، إلى جانب الأولاد والمعلمين ومواضيع امتحانات البكلوريا.بإمكاننا أن نمضي بالحديث عن ملابسها لساعات طولية.عادة ما ترتكب خطأين واللذان نعتبرهما لا يغتفران، فهي ترتدي ملابس بلون الأحمر إلى جانب الزهري، أما أحمر الشفاه التي تضعه فانه يوحل أسنانها.كثيراً ما نضحك عليها بشكل صريح.أدرك أن ذلك أمر شنيع ولكننا نحتاج إلى “ألينا”.إنها طراز من البنات بإمكان أية بنت أن تقف إلى جانبها لكي تشعر بانها مشرقة، وفاتنة، وأنيقة.على أي حال ، لديها دائماً إهتمام في أحاديثنا دون دعوة.تذكرني الطريقة التي تمد بها اذنيها لتصغي، وتتعبيراتها المثيرة للشكوك، بعانس عجوز معقوفة الأنف كانت تدير ملجئاًُ قبل الحرب، وبطبيعة الحال لم يتسنى لي أن أقابل إحداهن أبداً، ولكن الخيال هو احدى مميزات البشر.البنت يمكن أن تكون جاسوسة ممتازة.
“هل سمعتم آخر الأخبار؟”
“لا، نقول جميعنا في نغمة واحدة.”
تلك هي حقيقة خالدة.ليس هناك أبداً أحد سمع آخر الأخبار.عدا طبعاً من يحاول إعلانها بشئ من التبجح.
“البرتقالي، هو لون الصيف.هل تصدقون ذلك؟”
“هــمممممم.”
“لا أصدق.”
“لا يمكن أن يكون ذلك.”
 لسبب ما قررنا يوماً ما أن اللون البرتقالي لا يليق بنا.إنه يناسب فقط البنات اللاتي لا مستقبل لهن.”إلينا” تعرف ذلك وهي تستمتع بان تغيض مجموعتنا الصغيرة.
“إسمعوا”، أتنهد، “أنا لا أكترث كثيراً أو قليلاً بالبرتقالي.تعرفون أني سأكون غارقة بالخاكي قبلكم بكثير.”
يهبط صمت مهيب.
“على أي حال، أنا مغادرة.”أقول، بينما أنط من مكاني.”لدي عمل لأنجزه.”
أمشي فوق العشب بخطوات سريعة، أحاول قدر الإمكان أن أبدو مثل “فايه دانوي” في فلم “بوني وكلايد”.لا أنظر إلى الخلف ولكني أعلم أن البنات يراقبنني.اذا كان هناك شيئ وحيد أنا متيقنة منه فهو أنهم يحسدون ساقي.ذلك شيئ لا يجعل الإنسان محبطاً في هذا العالم.
تنتهي المحاضرات في المدرسة في الساعة الثانية.ليس هناك مطعم أو وقت مخصص للغداء.نحن ندرس على إمتداد فترة ممتدة ثم نكون أحراراً بعد ذلك لباقي ساعات اليوم، لنذاكر أو نمارس الرياضة أو نشاهد التلفزيون.اما أنا فاني أشتغل في صيدلية كبيرة، واحدة من سلسلة صيدليات، حيث أعمل تحت مسمى متبجح، وهو “منسقة عرض.”وبالأساس، فان ذلك يعني أن علي أن أمضي بين ممرات الصيدلية عرضاً وطولاً، منهمكة في ترتيب المنتجات على الرفوف، كي تظل دائماً منظمة ومملوئة بكل أنواع الشامبو، ومزيلات الروائح، وفوط الصحة.والواضح أن الهدف من ذلك هو جعل الزبون يكسر هذا الترتيب الممل، ومن ثم يقوم بشراء البضاعة.بين فترة واخرى يتم نقلي إلى قسم العطور للقيام بعملية تغليف المبيعات التي تقدم كهدايا حيث أستمتع بإختراع أشكال مختلفة من الأغلفة بطويات معقدة ثلاثية أو خماسية مع حافات ثنائية، أو رباعية.هم يدفعون لي لأني أمضي وقتاً أعمل خلاله شيئاً فيه بعض الجمال في حين أن شخصاً ما سيقوم بإزالته بمجرد حركة سريعة.
عندما، أطلعني “رافي”، رئيسي في العمل، على فلسفة محلات “اكسترافارم” بعد أن وظفني قال لي خلال عشرين دقيقة ما خلاصته إن الزبون ملك، ما يريده هو أوامر، نحن خدم بين يديه، وعندما يدفعنا إلى الإنهيار العصبي، حين يتردد بين شراء مسحوق غسيل، بـ، أو بدون منعم للملابس (مرعوبين من أن زوجاتهم قد يقلبن الدنيا اذا لم يستجيبوا لطلباتهن)، فأن علينا أن نطبع إبتسامة حلوة وودودة على شفاهنا، وأن نساعدهم في إتخاذ القرار خلال تلك اللحظات الحاسمة.
وبعد أن أعطاني “رافي” مثالين أو ثلاثة عن حالات من هذه يمكن أن أواجهها في عملي الجديد الرائع ذي المستقبل الواعد أعطاني عقد عمل “اكسترافارم” والتي تعيد التذكير بأن على العمال أن يظهروا تواضعاً أمام الزبائن.تعلمت كل ذلك سريعاً عن ظهر قلب، ليس إيماناً، أو خضوعاً، بل لانها كانت معلقة على جدران المراحيض وغرف تبديل الملابس حيث أقضي وقتاً لابأس به كل يوم.بعض منها:
لاتقل:هذا ليس من اختصاصي، أطلب من (سين) في فرع (صاد)، بل قل: إتبعني سأخذك إلى شخص على إطلاع بهذا الفرع.
لاتقل:ليس لدينا ما تبقى في المخازن ولكن قل:ان هذا المنتج مرغوب جداً، ونحن بإنتظار الإرسالية الجديدة في أي وقت.اذا ما تركت لي عنوانًا فأنني سأكون سعيداً لكي أبلغك متى ما وصلت.
لاتقل:وداعاً، بل قل شكراً لكونكك زبون دائم، آمل أن نراك قريباً.
ومن الواضح أن الوصايا السبع الأخيرة هي على هذا المنوال.
في البداية، لم يكن بإستطاعتي التوقف عن العض على شفتي حين أرى تعابير الحبور وهي ترتسم على وجوه العجائز من الرجال والنساء من بولندا، أو المغرب، غير قادرين على الكلام لرد المجاملة، ولكني تعودت على ذلك بمرور الوقت.كنت أضع نفسي مثلما توضع الطائرة على جهاز الطيار الآلي، واذا ما نسيت تلك الطبيعة العلائقية لعملي، فان ساعتي سرعان ما تذكرني بذلك.بإمكانك أن ترى ان الفقرة الاخيرة من العقد تنص على ما يلي:ضع ساعتك على رسغك الأيمن، وليس الأيسر حتى تتذكر دائماً أنك عامل إستثنائي في مؤسسة إستثنائية، وفي خدمة زبون إستثنائي.
واذا ما سألتني فان إختيار الساعة كان ذكياً من قبل مدراء “اكسترافارم” لانهم يدركون أنها من الأشياء التي تساعد على التذكير، لأن النظر إلى الساعة هي من أكثر العادات شيوعاً بين العاملين.لكن العقد لا ينص فيما اذا كان على المؤسسة أن تشتري ساعة للعاملين الذين لايمتلكونها.
دعوني أقول كذلك بأننا أقل أجوراً مما ينبغي.فالدفع هو على أساس ساعات العمل وهي 120 ساعة أساسية شهرياً بعد إستقطاع التأمين الإجتماعي ومساهمتي لصندوق التقاعد (على الرغم من لدي مشكلة في تقيم فائدة تلك الأخيرة).ولكن أن تكون عاملاً متميزاً في مؤسسة متميزة هو شيئ جيد بحد ذاته، فليس بإمكانك أن تطالب بالمزيد من المرتبات فوق كل ذلك.
عندما أفكر بذلك فأنني أقتنع بأني في فترة لاحقة من حياتي سأكون نقابية عمالية.أو ربما ثورية.وفي اليوم الذي سأصبح فيه ذلك، فأنهم سيضيفون صفرين إلى كل صكوك الراتب، أو ربما لن يكون هناك صكوكاً أساساً، وسوف لن يكون المال ذلك الشيء الغريب الذي من أجله يمكن أن أكون مستعدة للعب دور البهلوان (ظاهرياً، مع بعض الشطارة)، بين تلك الممرات التي تفوح منها روائح الصابون ومساحيق الغسيل والعطور الباهظة الثمن.في ذلك اليوم لن يشعر أحد بالمهانة لمجرد أنه فقير ولن يكون هناك مؤسسة تدار كدكتاتورية صغيرة.
أحلم.
أعرف أنني أحلم، ولكن تلك هي تركيبتي التي أنا عليها.في لحظة من الشعور المفرط بالزهو (أحيانا يراودني ذلك) كتبت: لست على قناعة فيما أذا كنت أحيا، ولكني أعرف أني احلم.
(حلم رقم 1.سلسلة من الأفكار، الصور، الإنفعالات، تمر عبر عقل الشخص وهو نائم.2. تصورات غير واقعية أو خادعة.)
في قاموسي الشخصي كنت سأضيف:نقاشات لا نهاية لها مع صديقاتي، توقعات حميمية عن المستقبل، صياغة أفكار حول الحياة الحقيقية التي تنتظرنا هناك.كل ذلك يأتي مع قرارات مؤلمة بشأن المساومة:مالذي سنفعله بعد الجيش؟ستة اشهر، أو عام في سفر للخارج-إلى أمريكا اللاتينية، أو الهند، مثل الكثيرين من الأشخاص، لكي يتخلصوا مما علق في رؤسهم؟أم الدراسة أولا ومن ثم الرحلة الكبيرة بعد ذلك؟نعم ولكن اذا ما صادفنا رجلاً، الرجل المثالي بينما نحن نجلس لإمتحان البكلوريا، فهل سنقول وداعاً للأبد لرحلة الحياة تلك، لحرية الشفاء التي نحلم بها، في مكان ما بعيد، في قارة لا يتواجد فيها ما يذكرنا بالأشياء التي نعرفها؟ومالذي سندرسه؟ العلاقات الدولية؟ التاريخ؟دراسات الإتصال؟لكي نصبح ماذا؟دبلوماسين؟صحفيين؟موظفي علاقات عامة؟ ماهي الحياة التي سنعيشها؟المستقبل يبدو غامضاً، وغير واضح المعالم، أما نحن فنريده أن يكون مختلفاً تماماً عما نعيشه الأن.آه، لو كانت هناك عصاً سحرية لكي تأتي به مدهشاً، وجميلاً، ولكي تجعل كل العالم في غيرة.المستقبل بالنسبة لـ”راحيل”، ولـ”يوليا” ولي، ويا للعجب، هو أشبه بكلمة إنتقام.
تأتيني كل تلك الأفكار وأنا أقود دراجتي نحو “اكسترافارم”.أفكر بأصدقائي الذين هم مختلفون جداً، لكنهم بالنسبة لي على نفس الدرجة من الإهتمام.أفكر بأني أستحق فعلا الإجازة في “إيلات” و”البحر الأحمر” والتي نخطط أن نقوم بها بعد إمتحان البكلوريا.(عندما تكون يداي ملطختان بالسخام الأسود نهاية هذا اليوم، فذلك يعني أني قد حصلت على ما يعادل نصف إيجار ليلة واحدة في مركز إستضافة الشباب).أفكر في أن مدة خدمتنا في الجيش ستكون مثل إنحراف عابر، فقرة إضافية في حياتنا، لاندري ما الذي سيكون فيها.أفكر بأني سأمر بمشاكل كثيرة لكي أتمكن من التفكير، دائماً، كما أفعل الأن، في دوامة كبيرة، لانهائية، أفكر دائماً بالغد، لكي أكون مطمئنة باني لا أفكر بشأن حقيقة أن “جين-ديفيد” ذهب إلى العيش في القدس قبل أسبوع ولم يتصل بي منذ ذلك الحين.
****
                   دولة علي بابا
      في تشريح سلطة الفساد والمحاصصة في العراق
(2)
                        نشوء وارتقاء دولة علي بابا
يوم 4 تشرين الاول  2009 كنت اشارك في لقاء ضيق دعت اليها وزارة الحوار الوطني العراقية اطلقت عليه اسم “الملتقى الفكري الأول للُخَب العراقية” للبحث في اشكاليات تعثر المصالحة الوطنية.كنت وصلت الى بغداد مبكراً مما اتاح لي فرصة اللقاء بالعديد من الاقارب والاصدقاء والناس والاستماع الى افكارهم وارائهم بخصوص الاوضاع بعد مرور ست سنوات على الغزو الامريكي واربع سنوات على تشكيل حكومة عراقية جاءت بانتخابات وصفت بانها حرة ونزيهة.محصلة الاحاديث والمشاهدات العيانية التي قمت بها قبيل الندوة جاءت مطابقة للمعلومات التي كانت متداولة والتي تعكس خيبة أمل بالنتائج المتحققة منذ الاحتلال ويئسا من امكانية حصول اي تقدم على صعيد اعادة بناء الدولة والمجتمع بعد تدميرهما نتيجة للغزو وللاحتلال.
كان اكثر ما لفت انتباهي هو حديث الناس عن الفساد المتغول في كل زاوية من زوايا الدولة ولدى الطبقة السياسية المهيمنة، وهو ما اثار ذكرياتي عن العديد من اركان تلك الفئة من السياسيين وماضيهم الملوث بالفساد ايام ما يحلوا لهم ان يسموها معارضتهم لنظام صدام حسين.في احدى مداخلاتي في الملتقى وفي حضور قيادات من اغلبية الاحزاب المشاركة في الحكم ومن بينها علي الاديب وهمام حمودي وغيرهم تحدثت عن الفساد المستشري باعتباره المعوق الاساس لاعادة البناء وللعملية السياسية واتمام المصالحة ووصفت الدولة التي يديرونها بانها “دولة علي بابا”.
كنت انتويت ان اطلقها صرخة مدوية في وجوههم فلم اجد تعبيراً غير “دولة علي بابا” يليق بوصف ما آلت اليه الامور في العراق على ايديهم من فساد ومحسوبية وشللية وهيمنة طغمة صغيرة من الفاشلين والعاجزين وعديمي الكفاءة ومفتقدي الخبرة على الحكم وعلى الساحة السياسية في “العراق الجديد”.كما اردت ان اثير من خلال ذلك الوصف الرمزي في دواخلهم صدمة قلت لعلها تفيقهم من غيهم وتنبهمم الى ان ذلك السلوك المزري والخائب الذي ينتهجونه سينتهي لا بفشل العملية السياسية وانما الى تدمير الدولة وانقراضها.
والحقيقة لم يكن تعبير “دولة علي بابا” من ابتكاراتي فقد سمعت من عراقيين كثيرين اثناء تلك الزيارة وقبلها عن قصص يرونها عن “الفرهود” الذي صاحب بدء الغزو في نيسان 2003 وخاصة في بغداد وكيف ان الجنود الامريكان كانوا ينادون على العراقيين بـ”يالا علي بابا” وهم يحرضونهم على اقتحام المنشئات والمعسكرات والدوائر والمصانع والبنوك وغيرها من مؤسسات الدولة التي كان يجري نهبها ويحثونهم على الاجهازعلى ما تبقى فيها من ممتلكات.من يعود الى ما كتبته الصحافة الغربية انذاك سيجد ان تقاريرها جاءت مطابقة لشهادات العراقيين حيث حفلت بالكثير من الاشارات الى “علي بابا” على لسان الجنود الامريكان والبريطانيين مصحوبة بتعليقات حافلة بالازدراء والاحتقار للصوص المغارة الذين وقفوا يتفرجون عليهم وكأنهم امام مشهد من مشاهد افلام ديزني ولد.
كانت فكرة “علي بابا” كما هي متجذرة في المخيال الغربي وفي الذهنية الاستشراقية احدى عناصر المشروع الامريكي لاحتلال العراق ومطبخه الاديولوجي لاشاعة وترسيخ مفهوم الاستحلال.ولعل خير من عبر عن ذلك هو وزير دفاع الغزو واحد ابرز عرابيه ومهندسيه، “دونالد رامسفيلد”، حين صرح ردا على الانتقادات التي وجهت للقوات الامريكة بانها وقفت متفرجة امام استباحة تلك المؤسسات وخاصة المتحف العراقي بان عمليات السلب والنهب كانت “مجرد رد فعل طبيعي ومتوقع على سنوات القهرالتي عاشها العراقيون تحت حكم صدام.”
وبالرغم مما يخطر على البال بان حكاية “علي بابا والاربعين حرامي”  هي من بين حكايات “الف ليلة وليلة”، اي من التراث العربي او الاسلامي، الا ان الحقيقة هي انها من ابداعات الاستشراق الغربي حيث تعزى الى  المستشرق والمترجم الفرنسي “انطوان غالان” الذي يعتقد على نطاق واسع انه اضاف حكاية “مغارة علي بابا” ومرجانة مع الاربعين حرامي الى الليالي في القرن الثامن عشر بعد ان سمعها اثناء زيارة له الى حلب.
المهم في الامر ان تلك الحكاية الاسطورية التي تنطوي في سرديتها الروائية على مغزى ورسالة في تذميم الطمع وحب المال والخداع والخيانة لم ينظر اليها في الغرب فقط على انها من روايات المغامرات المسلية للاطفال التي تحولت الى عدد لا يحصى من  الافلام والمسرحيات وانما اصبحت جزءاً من تراث الاستشراق الذي ينظر من خلاله الغرب الى العالم العربي باعتباره لا يزال قريب العهد بماضيه حتى لو كان ذلك الماضي هو مجرد فولكلور وحكايات ما قبل النوم للاطفال.
وبغض النظر عن شعارات تحرير العراق وادعاءات بناء نظام نموذجي في الشرق الاوسط ونشر الديمقراطية فيها فمن وجهة نظر امريكا كان العراقيون الذين احتلتهم هم من سلالات ابطال حكايات “الف ليلة وليلة” ولم تكن بلادهم الا “مغارة علي بابا” وبالتالي لم يكن امامها الا ان تعيد انتاج ذلك الفولكلور، لا لكي يقف جنودها يتسلون به هذه المرة، بل لتشهد به تدمير العراق من خلال النموذج الذي صنعته: دولة فاشلة، فساد متجذر، قيادة عاجزة وادارة متعثرة.
ان مفهوم او فلسلفة “دولة علي بابا” ليست هنا مجرد تلك الرغبة اللصوصية المتحكمة بطريقة ادارة الدولة، بل هي في نهج الحكم بكل ما يحمله من سياسات ومعاني متضمنة وسلوكيات وتوائهما الشرطي مع تطبيقاتها في القضايا والانشطة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والقيم الاخلاقية التي تزرعها في المجتمع.ان اسؤ تجليات “دولة علي بابا” اضافة الى الفساد الذي غرسته هو نظام المحاصصة الذي قامت عليه والصراع الطائفي الذي اخرجته من قمقمها والذي ولد الارهاب الذي حصد مئات الالاف من ارواح العراقيين.
لم تنهض امريكا بهذا المنهج التخريبي لوحدها ولكن لسؤ الحظ ازرها فيه عراقيون تفانوا في لعب دور الاربعين حرامي منذ اللحظة الاولى للاحتلال الذي كان كريما معهم ليس في تسهيل لعبة ادعاء تمثيل المقاومة الوطنية لنظام صدام وانما في تسليمهم السلطة عبر ما سمي بمجلس الحكم والذي مكنهم من وضع يدهم على كامل الدولة لاحقا.ان اول ما قام به هؤلاء وحتى قبل ان يلفظ نظام صدام انفاسه هو استيلائهم على قصوره وقصورازلامه ثم الكثير من ممتلكات ومؤسسات الدولة وبذلك ضربوا مثالاً للآخرين في الشروع باكبرعملية منظمة لنهب وتدمير دولة في العصر الحديث.
وفي الوقت الذي بقي الجنود الامريكان يتمتعون بمشاهد حية وحقيقية لنسخة جديدة، ولكن غير هوليوودية، من افلام “علي بابا”  فان العراقيين الذي كانوا يشاهدون ذلك بحزن وألم وحيرة نحتوا اسما اخرا هو “الحواسم” رديفاً ساخراً لما انتهت اليه الحرب المدمرة التي خيضت باسمهم من نهب منظم لثروات بلدهم ومهانة سيتحملون عبئها لاجيال عديدة جراء انتهاك حقوقهم وكرامتهم الانسانية من خلال ممارسات الفساد الذي يتعرضون لها يوميا على يد حكامهم الجدد.
ليس بالامكان تحديد حجم هذا الفساد الناتج عن مآثر “دولة علي بابا” بالقيمة الدفترية بشكل دقيق  فتلك مهمة غدت مستحيلة لاسباب على رأسها اتساع الممارسات افقيا وعموديا ونطاق السرية المضروب حولها وعمليات التضليل التي تحيط بها.وحتى مؤشر الفساد العالمي الذي تصدره مؤسسة الشفافية الدولية والذي لا يزال يضع العراق منذ عام 2004 في موقع متقدم كواحد من اكثر البلدان فسادا في العالم لا يوفر معطيات عن الرقم الحقيقي لحجم الفساد في العراق ولا حتى مجمل صورة تقريبية له ربما بسبب الاطار الضيق للمؤشرات التي وضعتها.
ومع ذلك فان ما يتوفر من معطيات يكشف عن حالة فريدة وصفها متخصصون دوليون بانها اكبر فضيحة فساد في التاريخ الانساني.امريكيا، تقول الارقام المنشورة ان 360 طنا من الدولارات قد ارسلت في رزم بلاستيكة الى ادارة الاحتلال ربما تتراوح قيمتها 60- 80 مليار دولار قد انفقت اثناء سنوات الغزو الاولى على مشاريع اغلبها وهمية في العراق في حين ان حوالي 10 مليار دولار منها اختفت تماما ولم يتم العثور على اية مستندات تثبت طرق انفاقها.
اما عراقيا، فان الموارد المتحققة من بيع النفط بشكل رسمي قد تتجاوز 500 مليار دولار خلال السنوات التي اعقبت الاحتلال، عدا البيوعات غير الرسمية الناتجة عن التهريب والسرقة والاستثمارات النفطية غير الخاضعة للحكومة، كما في اقليم كردستان.وبسبب عدم وجود ارقام رسمية معتمدة فان من الصعب ضبط كم الفساد الناشئ عن كل هذه المصادر التي تمثل الحجم الاكبر لعمليات نهب الثروة الوطينة.ولا يمكن باي حال من الاحوال تحديد حجم الفساد المالي والاداري بشكل دقيق ايضا لاسباب عديدة الا ان التقديرات المبنية على اساس عمليات غسل الاموال التي تغادر الى الخارج استنادا الى حجم مبيعات الدولار عبر نظام المناقصات التي يجريها البنك المركزي تصل الى 40 مليار دولار سنويا.
اما حجم الفساد في القطاعات الاخرى كالمقاولات والعمولات والاختلاسات والرشاوي والسرقات فتبلغ حسب بعض التقديرات حوالي 18 مليار دولار سنويا.
غير ان تقريراً نشرته مؤسسة (ويلث اكس) وهي شبكة مخابراتية خاصة تتبع الحسابات المصرفية والاموال الشخصية والعائلية في العالم في شهر ايلول 2013 كشف ان العراق احتل المرتبة السادسة ضمن قائمتها للأثرياء في منطقة الشرق الأوسط للعام 2013 بمجموع ثروات تبلغ 15 مليار دولار تعود الى 175 ثريا عراقيا متخطين الرقم السابق لعام 2012 وهو 160 ثريا  بثروة تقدر ب 13 مليار دولار.
الا ان هذا التقرير رغم انه يقدم صورة عن تصاعد وتيرة تكوين الثروات المشكوك في اصولها في العراق بشكل سريع وخلال فترة قصيرة قد لا يكون مؤشراً دقيقا عن حجم الفساد الحقيقي لانه لا يتضمن كل الثروات والاموال غير المنقولة داخل العراق وخارجه وكذلك الاموال التي تم تبيضها في مشاريع مشتركة او المسجلة باسماء لا تحمل الجنسية العراقية.
ان صعوبة الحصول على معطيات حقيقية عن حجم الفساد والطلاسم التي تحيط بصوره المختلفة وابطاله والغموض المتعمد الذي يحيط  بهذه الممارسات والشبكات العنكبوتية المرتبطة تضيف مكملاً لمفهوم “دولة علي بابا” وتوفر دليلاً جديداً على تسيد آليات عمل المغارة الاسطورية وعالم الجريمة وقيم اللصوصية وثقافتها ومظاهرها من فضائح وصراعات وازمات وعنف وفوضى.
ويبقى السؤال من هم الاربعين حرامي في “دولة علي بابا” الذين يمتلكون امبراطورية الفساد هذه ويشتركون في ادارتها.انهم بالتأكيد كبارالمسؤولين في السلطة وفي قيادات الاحزاب المشاركة فيها مع اولادهم واقربائهم يعاونهم فيها كوادرعليا تضم وكلاء وزارات ومدراء عامين وقادة امنين وقضاة وسفراء ودبلوماسين يشكلون كلهم شبكة من الشركاء تضم مقاولين ورجال اعمال واصحاب محطات تلفزيونية واعلاميين يتعاونون معا في اقتسام كعكة الفساد المهولة.
في الحلقة القادمة سنستعرض جذور التفكير الامريكي وراء اقامة هذه الدولة السرطانية من خلال تمكين الفاسدين والفاشلين وعديمي الكفاءة في ادارتها مما مهد الطريق لاكبر كارثة وطنية وانسانية حلت على العراق في عصره الحديث.
*

                                              دولة علي بابا
                         في تشريح سلطة الفساد والمحاصصة في العراق
(1)
                                              الفساد قضية حياة او موت
في ذاكرة الكثير من البغداديين الذين عاصروا الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي قول مأثور ينسبونه الى أحد اشهر القوادين في مدينتهم يومئذ، وخلاصته انه دعا يوماً واحداً ممن عرف بالتشهير به في المقاهي والاسواق وطلب منه ان يكتب كلمة “قواد” على ورقة بيضاء قدمها له مع قلم حيث وما ان انتهى ذلك الرجل من كتابة تلك الكلمة البذيئة حتى وضع ذلك الديوث فوقها “نوطا”، وهي اكبر ورقة من اوراق العملة واعلاها قيمة حينئذ، وسأله باستنكار وتعجب:اين هي الان تلك الكلمة التي تعيرني بها؟
مغزى الحكاية التي يرددها الكثيرون من ابناء ذلك الجيل حتى يومنا هذا بنسخ متعددة، واضح ولا يحتاج لتفسير، وهو انك تستطيع ان تشتري اي شيء وكل شيء، وحتى بعض الناس، بالمال، وان الفلوس بامكانها ان تمحوا اية لطخة قد تتعرض لها سمعتك او شرفك، بل ان تقلبها الى فضيلة ومصدراً للعزة والفخر.هذا العمل يناط الان بوكالات العلاقات العامة المنتشرة في عالمي السياسة والمال وهو ما يعرف بحملات التلميع، او صناعة الصورة، او بشكل ادق بمهمة غسيل او تبيض السمعة.الا انه في “دولة علي بابا” يجري بطريقة بدائية وساذجة ومتخلفة عبر الزعيق فوق شاشات الفضائيات او التوحيل من خلال مواقع الانترنيت.
ولان هذا الفن هو من فنون الدعاية الذي يعتمد في جانب كبير منه على الايحاءات والفذلكات والتلاعب بالمسميات، فان الامر لا يحتاج  في صناعة تجميل الصورة سوى الى التفسير او الشرح اللغوي للكلمة كما وردت بالمعاجم بان القواد هو مجرد سمسار، او انه منظم للعمل او ساعي بين الرجل والمرأة البغي في بزنيس المتعة، بل بامكان مكاتب غسيل السمعة العودة الى الجذر اللغوي للكلمة وتسويق الشخص بسخاء بانه الرجل “قوي القيادة” وبذلك يقلبون الصورة ويكسرون حاجز الرفض الاخلاقي والنفسي ويوجدون حالة وهمية للتعايش بين الخسة والطهارة.
ما يجري في العراق الجديد الذي روجت له مختبرات الفكر الكولونيالي ومراكز صناعته منذ الغزو الامريكي بخصوص سرطان الفساد المستشري هو شبيه تماما بحكاية ذلك القواد حيث يصم الفاسدون والمفسدين اذانهم عن كل التقارير والمعلومات والاتهامات الموثقة بشأن فسادهم الذي فاق كل حدود معروفة ويغطون الكلام بدفاتر الدولارات، وليس بـ “النوط ابو العشرة” ، في استراتيجة انكار مزدوجة تنحو، من جانب، الى تجاهل ما يرونه مجرد ضجيج مثار، ومن جانب اخر، الى التلويح بالدولارات لشراء الذمم والضمائر لاسكات الالسن التي تتجرأ على الكشف عن فضائحهم بنفس طريقة السمسار سالف الذكر.
تذكر ابحاث علم النفس ان حالة الانكار هي السعي للتأكيد على ان ما يقال تجاه شخص ما او مجموعة او الاتهامات الموجهة له، او لهم، هي ليست حقيقية وانها واحدة من الآليات الدفاعية السايكولوجية التي يستخدمها الفرد او المجموعة حين توجه اليه، او اليهم، اتهامات غير مريحة، مما يستوجب رفضها والاصرار على انها غير صحيحة، بالرغم من وجود ادلة دامغة.وتتنوع حالات الانكار من انكار الحقيقة برمتها او انكار المسؤولية عنها او انكار النتائج المتحققة منها والتأثرات او التقليل من شأنها.
ان اسوء تجليات حالة الانكار هي في الافكار والافعال التي تعزز مشاعر الثقة بالنفس والاقتناع بان ليس هناك اي حاجة لتغيرالسلوكيات لدى الفرد، وهي حالة تجمع كل حالات الانكار المذكورة وغيرها كي تصل باصحابها الى الاصابة بالوهم وخداع الذات وغيرها من اضطرابات التفكير مما يؤشر الى مخاطر محتملة جمة على المستويين الشخصي والاجتماعي.
غير ان الاساليب الدفاعية هنا تنطوي ايضا على حالات هجومية، كما هي  في الحروب وفي الالعاب الرياضة، مما يستوجب في حالات الانكار السياسي التعرض للمنتقدين او موجهي الاتهامات، مثلما في حالة الاتهامات بالفساد توجيه (تلفيق) اتهامات مضادة، مثل العجز عن اثبات التهم او تبيان الحقيقة، او الانحياز وعدم الموضوعية، او العمالة والخيانة، وكل ما من شأنه تسخيف الاتهامات والحط من شأن اصحابها بهدف بث الشكوك لدى الجمهور وايقاف الجدل الدائر بشأنها، او تحويل وجهة النقاش الى قضايا اخرى ثانوية، او حتى مختلقة للتغطية على قضايا الفساد.
ويتطلب الهجوم المضاد عادة تكتيكات ووسائل دعائية تتلاعب بالحقيقة مثلما يتطلب اجراءات على الارض لحرف الانتباه عن الهدف الاساسي.ولعل اهم وسيلة يجري استخدامها هنا لطمس الاهتمام بقضية مواجهة الفساد في العراق باعتباره اس البلاء المحاولة المتعمدة لجر الناس للسجال الطائفي بهدف تغير مسار النقاش العام عن بلوى الفساد  واللجوء الى الارهاب كوسيلة مصممة لا لدفعهم فقط بالشعور بالخطر الدائم وانما تشجيعهم ايضا على الانخراط في الصراع  كي يجري الهائهم نهائيا عن قضايا الفساد ومكافحته.
ما يجري الان في العراق هو حملة منظمة من كل الجماعات التي استولت على الحكم للتلاعب لاشاعة اجواء الاحباط واليأس في نفوس العراقيين وكبح نضالهم ضد الفساد والمفسدين مثلما يجرى ضد المتظاهرين منذ اكثر من عامين وضد الناشطين في الحملة الوطنية المطالبة بالغاء امتيازات النواب وقبل ذلك تخريب عمل هيئة النزاهة وتعطيل جهود القضاء في محاسبة الفاسدين، بل وافساد ذات المؤسستين اللتين ينبغي ان تكونا الحصن الاخير للعدالة والدفاع عن المال العام وحقوق الناس.
ان كل ذلك يهدف الى فرض الصمت على ممارسات حيتان الفساد وبالتالي ترسيخها كمنهج للحكم بالرغم من انف كل عراقي وخاصة اولئك الذين يجاهرون بالكشف عن قضايا الفساد عبر مختلف الوسائل.وفي سبيل ذلك فان هذه الجماعات لا تعمل على التنصل من المسؤولية فقط، وانما محاولة الافلات من العقاب والاستمرار في عمليات النهب المنظم للثروات الوطنية مع الاحتفاظ بما قامت بنهبه خلال السنوات الماضية والتي مكنها من وضع يدها على كامل مصادر الثروة في البلد وتحويله الى ضيعة لهم وللابناء والاقرباء والاصحاب.
الرسالة التي يريد ان يبعث بها الفاسدون في “دولة علي بابا” لمن يتجرأ على فضح ممارساتهم هي نفس رسالة استخفاف ذلك الديوث وكل الفاسدين في كل زمان ومكان، وفي كل مهنة وميدان: اذهبوا واشربوا من ماء البحر او اضربوا رؤوسكم في اول جدار يقابلكم، فنحن لانبالي، بل ولن نهجع حتى نشفط أخر برميل من النفط  ونمتص اخر دولار في خزائن البنك المركزي ثم نعود الي حيث كنا منعمين بحساباتنا في البنوك العالمية وبشركاتنا وعقاراتنا وقصورنا التي تنتشر في كل قارات العالم.
هي رسالة تحد اذن لكل الجهود الرامية لمقاومة الفساد مما لا يترك اية استجابة لها غير رفض الاذعان لنهج التجاهل واحتقار ارادة الشعب، ولمحاولات استلاب الحقوق الشرعية للناس او استحلال ثروات الوطن، وامام نوايا الانتقام والثار التي تغذي تلك النزعة التدميرية للفاسدين.ان اتساع الحملات الجماعية المنظمة والفردية في التصدي لفساد زمر الحكم في العراق، رغم قلتها ومحدوديتها، تعني ان هناك ادراكا متناميا بان مهمة محاربة الفساد هي قضية حياة او موت للعراقيين، فلا أمن ولا استقرار ولا تنمية ولا كرامة ولا حرية ولا عدل ولا مستقبل في ظل غول الفساد.
في الحلقات القادمة سنتناول كل هذه القضايا من خلال تجربة الحكم في “دولة علي بابا” منذ نشوئها كمشروع قبيل الغزو الامريكي عام 2003 الذي اسس لها مستعرضين الافكار والمفاهيم والاشخاص والدول والاجندات والاستراتيجيات التي وقفت وراءها ثم التطبيقات العملية لمنهج “مغارة علي بابا” من خلال سياسة النهب المنظم للثروات العراقية التي ادت الى فشل تجربة اعادة بناء الدولة وستؤدي بالنتيجة، ان لم يتم  التصدي لها وكبح جماحها، الى انهيارما تبقى من اسس الدولة العراقية وتفكيك تام لبنية المجتمع العراقي.
*
Sectarian attacks spur Iraqis to flee again

As sectarian violence in Iraq once again spikes, Iraqis seeking shelter in exile face an ever-precarious future, writes Salah Nasrawi

Abu Fatima fled Iraq for good to Turkey last month after militiamen believed to be Shias killed his father-in-law and a brother-in-law and threatened him and his three children. Turkey’s political uncertainty baffled him, but the country still provided a safe haven to him and his family of five.
But like thousands of other Iraqi refugees and asylum seekers in Turkey, his safety comes at a high price: Abu Fatima’s family is trapped in limbo. Iraqis cannot get work permits. They do not speak Turkish and their children are having trouble enrolling in schools.
In addition, they have to wait in long queues for opportunities to be resettled in a host country or risk paying traffickers huge sums of money to smuggle them across the sea to Greece and then into Europe.
The office of the United Nations High Commissioner for Refugees (UNHCR) in Ankara has set a date in summer 2015 for an interview to assess Abu Fatima’s case. Now he, his children, wife and mother have little more to do than just wait and survive.
They were sent to a little town outside Ankara for temporary lodging and meagre handouts until their refugee status is determined. After they receive recognised status it is unclear how long they would wait until a host country will accept them.
“Winter is at the door and I do not know how can we cope with the severe cold here, in bad housing and with little money,” Abu Fatima said.
Abu Fatima was stuck by the scourge of sectarian polarisation in Iraq since the US invasion in 2003 largely because of his name. He was named after a prominent historical Sunni figure abhorred by Shias and who they consider an enemy to their revered Imam Ali and his dynasty.
Extremists on both sides of the sectarian divide have long been targeting people based on their names and sometimes tribal or provincial affiliation.  
Over the past decade, Abu Fatima (he declined to use his real name) and his family were displaced internally many times, fleeing for their lives. During the full-blown sectarian war that erupted following the US invasion, Abu Fatima spent two years in hiding for fear of being killed. When he came out of hiding he moved to new places and forged a new identity in the name of a legendary Shia hero.
But recent sectarian violence and the killings of his in-laws and threats against him and his children forced them to consider leaving the country for good.
Nearly two years after the US pulled out its last combat troops from Iraq, the country remains deeply violent and divided. Thousands of Iraqis have fled their homes in recent months amid a new wave of sectarian violence that threatens to spark once again mass displacement internally and abroad.
Daily bombings and other attacks have been targeting mosques, funerals, markets and schools. Nearly 1,200 people were killed in Iraq in September, according to the government.
So far this year, some 6,000 civilians have been killed according to the United Nations and news agencies’ reports, though the figure could be a gross underestimation, as it does not include unreported violent death cases.
Hundreds of people were killed this week in a series of explosions across Baghdad and other Iraqi cities. The majority of the attacks targeted Shias, including pilgrims and primary school students.
All attacks bear the hallmark of the Islamic State in Iraq and Syria, a terror group affiliated to Al-Qaeda, which has vowed to topple the Shia-led government and establish a Sunni-led state in Iraq.
In what appeared to be tit-for-tat attacks, blasts have also hit Sunni neighbourhoods, including bombings of cafes and mourners attending funerals. Sunnis, including mosque imams and worshipers, have also been targeted for assassination.
In grim testament to the instability now roiling Iraq, decomposed bodies are routinely discovered in streets in Baghdad and elsewhere, sometimes with the dead bodies handcuffed and blindfolded. Some of the victims appear killed by gunshots to the head.
Residents in many mixed towns or neighbourhoods have been receiving flyers on their doorsteps signed by well-known Shia militias telling them to leave or be killed. In Basra, the displacement leaflets said they come in retaliation for the killing of Shias in Sunni-populated areas.
The violence has reinforced fears that Iraq is sliding back into the full-scale sectarian war that peaked after the bombing of the Shia holy shrine in Samaraa in 2006. The death toll exceeded 3,000 a month for nearly two years following that attack.
Refugee agencies and officials believe that the new type of sectarian warfare that has gripped the country is forcing thousands of Iraqis to seek refuge either inside or outside Iraq.
Last month, UNHCR disclosed that since the beginning of the year, bombings and rising sectarian tensions have displaced some 5,000 Iraqis — with people mostly fleeing from Baghdad into Sunni dominated provinces such as Anbar, Mosul and Salaheddin.
UNHCR spokesperson Melissa Fleming told journalists in Geneva that reports received by UNHCR suggest that up to 160 families from Basra and Nassiriya were displaced to Salaheddin and Anbar and 57 families from Baghdad arrived in Babylon.
A smaller number of families have also fled from various provinces into Kerbala, Najaf and Wassit. Those displaced so far include Sunni Arabs, Kurds, Shia Shabak, Turkmen as well as Shia Arabs, she said.
On Saturday, the local government in Diyala said at least 100 families, believed to be mostly Sunnis, have fled their homes in the province in recent weeks after receiving threats or direct intimidation.
Iraq’s religious minorities, including Christians, Yazidis, Subis (Mandaeans) and Shabaks, have also been targeted for attack and threats. There have been several deadly attacks against Iraqi Christian families this year in Baghdad, Mosul and Kirkuk.
While many Christians who left their homes due to threats and killings sought shelter in areas under Kurdish control around Mosul, in the cities of Dahouk and Irbil, others fled Iraq completely.
This recent displacement adds to the more than 1.13 million internally displaced people inside Iraq who fled their homes to escape intense sectarian violence from 2006-2008.
Some half a million of those internally displaced people are now squatting in slum areas or in public land and buildings with no access to electricity, running water, schools or sufficient job opportunities.
Services provided by the Ministry of Immigration and the Displaced, set up to look after the internally displaced and Iraqi refugees abroad, remain inadequate and unsustainable.
Last week, Immigration Minister Dindar Al-Douski acknowledged that the failure of the government to secure jobs for refugees is blocking their return.
Iraq tops other countries in terms of refugees and migrants.
In 2011, the UNHCR estimated the number of Iraqis living in neighbouring countries at about 2.5 million, including some 1.2 million to 1.4 million in Syria alone. After the war in Syria, which started in 2011, many Iraqis there either returned home or sought shelter in other countries, fleeing violence again.
It is hard to determine the exact number of Iraqis seeking refuge abroad but as of December 2012, there were 126,142 Iraqi refugees registered with the UNHCR in neighbouring countries, and an unknown number of unregistered refugees.
Those figures underscore the difficulties of Iraqi refugees seeking to find safe havens in foreign countries, with the US and other Western countries — their preferred destinations — now refusing or slowing entry to Iraqi refugees.
Many Western countries are increasingly becoming unfriendly to Iraqi refugees and more unwilling to allow them to settle permanently, while the United States has introduced new security measures restricting immigration possibilities for Iraqis fleeing bloodshed and persecution.
Under pressure from lobbying groups, the US Congress last week passed a law resuming issuing special visas for Iraqis who risked their lives by working with the US army and associated agencies during the 2003-2011 occupation. The programme expired earlier this year with an estimated 2,000 applications still in the bureaucratic process.
The special visa has allowed more than 12,000 Iraqi contractors, interpreters and others who assisted in US efforts, and their family members, to move to the United States since 2007. The goal was to resettle them in the United States faster than the oft-protracted general refugee process might allow.
However, Iraqi refugees’ plight is worsening as their numbers grow and the reluctance of host countries to receive them increases.
Even many of those who made it to the United States and other Western countries are living in poverty because hosts are increasingly unfriendly and ever more unwilling to allow them to settle permanently.
As sectarian violence spirals it is unlikely that refugees fled past carnage in Iraq will be able to return anytime soon.
“If I go back, I will be killed, if not instantly, it will be the next day or the next week,” said Abu Fatima who insists that he prefers living in limbo in Turkey and “waiting forever” to be resettled in a third country than returning home.