عندما كنت جندية
                                       فاليري زيناتي
                                             ترجمة                       
                                     صلاح النصراوي
ج1 ف5

                         الرقم 3810159، الكتيبة 3، سرية (د)

أخرجت دفتر الملاحظات من حقيبتي.على الغلاف كتبت ببساطة:جندية 19 سبتمبر–؟ وضعت علامة الإستفهام، اما لكي تزيدني ثقة، أو لترعبني.حقيقة لا أعرف.مهما يكن،لا شيئ مؤكد بشأن المستقبل.
أريد أن أدون ملاحظات وافية عن أحداث اليوم، وخاصة تلك المتعلقة بمشاعري.أشعر أني اذا لم أكتب ما أقوم به بشكل يومي فكأنما لا شيء يحدث.أشعر بذلك منذ كنت في الثانية عشر.السنة الوحيدة التي لم أدون فيها شيئاً كانت سنة قدومي الى إسرائيل:كان هناك الكثير من الإكتشافات والإنفعالات والناس الجدد، كل دقيقة فيها كانت مفعمة.واللغة، العبرية، التي تجعل كل العالم من حولك عديم الفهم، كانت غامضة.لا أتذكر أي شيء من تلك السنة، كأنها فجوة واسعة في ذاكرتي.وحتى اذا ما حاولت فلا شيء غير الظلام التام.
اليوم كان هناك شيء من هذا القبيل، استغرق الأمر بضع ساعات لكي أنطلق نحو عالم غريب.وهكذا فبالرغم من، أو بسبب، تلك المنعرجات، فأني أكتب جملا ً دون فاعل أو دون فعل، مجرد صفات متفرقة.
الجنود المشرفون، مثيرون للسأم.الطعام، صعب المذاق.العالم كله رمادي وخاكي.حتى أشجار اليوكالبتوس تبدوا وكأنها زرعت لكي تستكمل النظام اللوني الرمادي-الأخضر.مبكرة نوعًا ما، بزة الجندية.إثارة.إنه لمن الغباء، ولكني أشعر بأني مختلفة.لست وحدي.جميعنا نتكلم بلغات مختلفة.حين إرتدينا البزة.لا أطيق الإنتظار لكي أرى نفسي بمرآة كبيرة، من رأسي حتى أخمس قدمي.إينات.صديقة.بنت لطيفة، على أي حال.كل شيء يمضي بسرعة، بسرعة كبيرة.
حل الظلام و”إينات” غطت في النوم.نمضي بإتجاه الحضيرا، شمال تل أبيب.نظرة سريعة إلى القمر، مدور ومضيئ، وأغط أنا في النوم.
تهتز الحافلة، تندفع، تختض.نترك الطريق السريع وندخل إلى طريق جانبي ضيق.سلسلة من المطبات والأخاديد.من الواضح أنهم يريدونا أن ندرك أننا لسنا هنا من أجل المتعة.أستطيع أن أرى الأسلاك الشائكة التي تحيط بالقاعدة على ضوء القمر، نقطة التفتيش التي يحرسها جنديان، ضلال أشجار اليوكالبتوس الهائلة التي تبدو أشد سواداً من الليل.صورة مكررة لما رأيته هذا الصباح، بنسخة ليلية.
يطلب منا النزول من الحافلة مع متعلقاتنا وبضمن ذلك كيس العدة الكبير الذي يصل طوله نحو 120 سنتيمتراً.البنت القصيرة التي إرتعبت من التلقيح لا يمكن أن يكون طولها أكثر من 150 سنتمتراً، وبالكاد يمكن رؤيتها من وراء كيسها.أبتسم.
“لماذا تبتسمين”، تسألني “إينات” مندهشة.
أميل بحنكي نحو “تالي”، اذا كنت الفظ أسمها بشكل صحيح.
“إسمعي.أنا أشعر بالأسف نحوها.فهي تبدو مثل كيس له قدمين مع بعض الشعيرات من فوق.تذكرني بأفلام “لوريل وهاردي” أو “شارلي شابلن”.لعلك تعرفين ما أقصد؟”
“ليس تماماً.لابد وأني شاهدت بعضها حين كنت طفلة، ولكن الجميع كان يعتقد أن الدهر أكل عليها وشرب، من زمن ما قبل الحرب ….”
“ليست مما أكل عليها الدهر وشرب.”قلت محتجة.”إنها تدور حول رجال قصار، سمان، سذج، متثاقلون، فاشلون، أناس يختفون وراء أكياس كبيرة.”
“أنت تحبين الفاشلين، إذن، أليس كذلك؟”
أصابني السؤال بالصمم.أنا كنت الأولى في كل شيء، خلال كل سنوات الدراسة، في الموسيقى، في التنس، (وفي الحقيقة ليس في الرياضة أو في السباحة) مما يعني أني لست بفاشلة.ولكني أرى في الفاشلين ما هو مثير.
ليس لدي الوقت لكي أشرح كل ذلك لـ”إينات”، أو حتى لنفسي.تمر إلى جانبنا فتاة في منتهى الجمال.شعر بني قصير، بشرة زيتونية، وجه مستدير تماماً، ترتدي بزة حربية تبدو وكأنها صممت من قبل “إيف سان لورين”، وتعلو رأسها قبعة ذات حافة عريضة.تربط رشاشة “أم-16” حول جسمها، إنه السلاح الأكثر أناقة، والذي يحمله الضباط فقط.ويدل الشريطين اللذان على كتيفيها بأنها ملازم.
“الملازم “أنبار كاتز”، تقدم نفسها.”أنا قائد كتيبتكم.ضعوا الأكياس على الحائط وأصطفوا في صفوف من خمسة أفراد، رجاءً.”
صوتها لايرتفع، ليس هناك في نبرة كلامها ما هو مزعج أو حتى فاتر.إنه محايد، مع شيء من التعاطف.من الواضح أنها تدرك أن كل ما عليها هو أن تكون هنا، وأن تفتح فمها فقط حتى تدين لها المئات من البنات أو أكثر بالطاعة.فجأة أشعر بقرف شديد، أميل نحو “إينات”.
“هل تعتقدين أنها عميلة مأجورة من قبل سوريا لكي تضعضع معنويات الجنود الإسرائيليين؟”
“ربما، إنها خارقة، الجميع يطيعونها فوراً.لديها قوة شخصية فائقة.”
“ونحن نبدوا حمقاوات ببزاتنا الجديدة المتصلبة التي تفوح برائحة النشا من على بعد 200 خطوة.”
تقف “أنبار كاتز” بقامتها المستقيمة أمامنا، أربع بنات أصغر منها سناً بقليل، بمعنى آخر انها ليست أكبر منا، يرتديين قبعات عريضة الحافة أيضاً.
“مرحبا بكم في القاعدة 80.خلال الأسابيع الأربعة القادمة ستتلقون الدروس هنا، في الكتيبة-3.هذه الكتيبة مكنونة من أربع سرايا، كل منها تحت قيادة واحدة من العرفاء الأربعة الذين هنا.سيتلون أسمائكن ويصطحبنكن إلى خيامكن.”
فجأة تتغير نبرة صوتها، “العريف تامار!”
أطول البنات تتقدم أربع خطوات إلى أمام، تستدير ربع إستدارة، ثلاثة خطوات إلى اليسار، ثم ربع إستدارة، خطوة للأمام، ثم ترفع يدها بسرعة خاطفة نحو صدغها.إنها المرة الأولى التي أرى فيها تحية عسكرية حقيقية، أمر مثير للإعجاب.
“نادي على أسماء جنديات السرية (أ).
“نعم سيدتي.”
التحية العسكرية ثانية.تستدير العريف بإتجاهنا وتقرأ قائمة الأسماء، وأنا أبدأ بالتعرف على الأرقام.أرفع قامتي قليلاً حين أسمع رقم “إينات” بينما تغمز لي وهي تسير لتلتقط أشياءها.تضع العريف “تامار” القائمة في جيبها ثم تستدير نحو الضابط وتؤدي التحية، وتقول:
“عشرون جندية في السرية، سيدتي.”
“حسناً، إنصراف.”
تنصرف السرية.أنفصل عن “إينات” ولكني لا أشعر بأي إنزعاج.هناك الكثير من الإثارة.خلال دقائق سأكون قد قد إنغمست في هذا العالم الذي تطغي عليه الجدية والرموز والتنظيم.نسيت كل مخاوفي، وخفقان قلبي، أشعر بفرح غامر، وكأني أخبرت لتوي بأني سأقوم بدور البطولة في إنتاج ضخم يدعى “جندية” أو “بندقية في يدي”.
تبدأ عريف أخر بنفس الإجراءات التي قامت بها الأولى، لكنها أيضاً لا تنادي على رقمي، إنها العريف “كنيريت” ذات الشعر الأشقر المموج والعينان الزرقاوان الهادئتان.لم يبقى الا عشرون منا ولكنها مستمرة في النداء على الأرقام، وبعد ذلك تبلغ الضابط بالتقرير.نتبعها خطواتها إلى حيث يطبق الظلام.
تأخذنا إلى الخيام، وتؤشر إلى الخيمتين المخصصتين لنا ثم تبدأ بتقسيمنا.
داخل الخيمة هناك هناك عشرة أسرة بفراش يبلغ سمكه حوالي سنتيمترين، وربما كنت كريمة في تخميني هذا.
“ضعن حاجياتكن بجانب الأسرة، لديكن دقيقتان لكي ترتبوا كل شيئ.”وبعد ذلك عليكن بالإصطفاف خمسة، خمسة خارج الخيمة مع باقي أفراد السرية.”
تغادر.
الخيمة يسودها جو من الإثارة.بعض البنات اللواتي يعرفن بعضهن يبدأن سجالاً حول أي سرير سيخترن.
أسأل بهدوء.”هل لدى إحداكن ساعة يد؟
كل الأنظار تتجه نحوي بدهشة.
“لقد قالت دقيقتان.في الجيش ذلك يعني 120 ثانية وليس أكثر من ذلك.إعطوني ساعة يد وقرروا أي سرير ستأخذه كل واحدة من كن وأنا سأخذ المتبقي.”
في الثانية 118 كنا جميعاً خارج الخيمة.العريف تنظر إلى ساعة رياضية كبيرة بيدها.تخطو بإتجاهنا لتقف في الأمام.
“أيتها الجنديات.من الأن فصاعداً سوف تسرن صفوفاً حين تكن تحت قيادتي.المسير يبدأ عادة بالقدم اليسرى.عليكن السير بخطوات وبإنتظام في خط واحد، والإصغاء الجيد لأوامري..”نصف إستدارة لليمين.نصف إستدارة لليسار.عندما تكن في تشكيل رباعي كما أنتن الآن، عليكن البقاء في وضع الإستعداد حتى تسمعن الأمر، إسترح.ليكن كعبا الرجلين متلاصقين، وقفن بإستقامة مهما طال وقوف التشكيل.كل يوم سأسمي إحداكن رئيسة السرية.عليها أن تعطي تقريراً بالأرقام في كل مرة يتم المناداة.سأعطيها قائمة بالمهمات التي ستقوم بها السرية وعليها التأكد من متابعة التنفيذ وإحترام التوقيتات.ستتحمل مسؤولية أي تأخير.هناك شيء أخر، عندما تكن في القاعدة فالواجب أن تؤدين التحية لكل من هو أعلى رتبة، بهذه الطريقة.تميل ذراعها بدرجة 45 وترتفع إلى مستوى حاجبها الأيمن.ستستلمون الأغطية والبطانيات وبزة الميدان.سرية (د)، إنتباه.
نقف بحالة الإنتباه.
“نصف إستدارة لليسار”
نستدير كأننا أمرأة واحدة.
“يسار، يمين، يسار، يمين، يسار، يمين…”
تنطلق المجموعة الصغيرة.البعض تواجه مشكلة في الخطوات فيترك بعضها لكي يظل في الصف مع الآخرين.
“سرية (د)، قف.”
الجميع يتسمر كالموتى.بعض البنات لاتزال واحدة من أرجلهن معلقة في الهواء.تبدو وكأنها لعبة أطفال ولكن من غير غابة مثيرة للمرح أو سناجب تتقافز.
نحن أمام بناية من تلك الأنواع الجاهزة البناء.مثل بناية الإستقبال في القاعدة، أو أي مكان آخر، واذا ما سألتني فأن لا أحد إعتنى بطرازها المعماري.
“سرية (د) إلى البناية في طابور واحد.”
نأخذ بطانيتان لا لون لهما وخشنة مثل بلوز الصوف.بعد ذلك نعطي مقاسات ملابسنا وأحذيتنا.يعطون كل واحدة منا طاقمين من البزة العسكرية مع قبعة صغيرة كتب عليها كلمة “تسحال”* باللون الأصفر، مع زوج من الأحذية ذات القياطين والتي تبدوا أكثر أناقة من أحذية “غولدا”.
“سرية (د) إنتباه.”
“يسار، يمين، يسار، يمين، يسار، يمين..”
نعود إلى الخيمة حيث أمامنا خمسة دقائق فقط لتغير ملابسنا ووضع حاجياتنا.
مرة ثانية في تشكيل رباعي أمام الخيمة.إنتباه.إسترح.يسار، يمين، يسار، يمين، يسار، يمين.”
الإتجاه، مركز القاعدة.نتقابل مع سرايا أخرى تسير كما نحن.نتبادل النظرات محاولين التعرف على الوجوه، لكن يبدو الأمر صعباً، فالجميع يرتدون قبعات.
“سرية (د) قف.”
نقف أمام ما يمكن أن يكون مطعماً، يبدو ذلك من خلال الروائح المنبعثة.هناك خمس سرايا تنتظر دورها.الحذاء بدأ يحك قدمي، القبعة الضيقة بدأت تسبب لي صداعاً.ثم أني أشعر بالجوع.
بعد حوالي ربع ساعة من الوقوف الثابت دون أن ننطق بكلمة واحدة، تدعى سرية (د) إلى داخل المطعم.منذ تلك اللحظة لدينا فقط عشرون دقيقة، تلك هي تعليمات الإدارة وعلى الجميع الإلتزام بها.عشرون دقيقة للطعام وست ساعات للنوم يومياً، تلك هي حقوق الجندي الأساسية، الحقوق الوحيدة على ما أراها.
في لوحة الطعام هناك سلطة الطماطة، اللحمة المشوية بالذرة وجزر مسلوق.كل تلك المواد موضوعة في صينية ننظر اليها جميعاً بشيء من القرف.ثم يتم ارشادنا إلى طاولة كبيرة مشغولة نسبياً، الا أن أحد الجنود المناوبين يقول لنا أن نجلس في الأماكن الشاغرة بشكل منتظم.
معظم البنات لا يمددن آياديهن إلى ما هو موجود في الصينية ويتناولن علبة اللبن الرائب الموجودة أمامهن.أسحب صينيتي أمامي بشيء من الحماس وسط نظراتهن المؤنبة.أسألهن إن كن سيمضين الأسابيع الثلاثة القادمة مضربات عن الطعام.ينظرن إلي نظرات ودودة.
“بالمناسبة، هل أنت فرنسية؟”
“نعم.”
“ها.يا لك من محظوظة.”
“إخبرينا عن باريس.”
“قولي شيئاً بالفرنسية.”
“غني لنا في ليلة القمر.
ها نحن نعود إلى ذلك ثانية.لكنهن بدون سعيدات جداً وأنا استجيب لطلباتهن بكل سرور.أقول بالفرنسية شيئاً مثل إننا سنقضي وقتاً رائعاً بالبزة العسكرية، ثم أبدأ أغني الشطر الأول من في ليلة القمر بينما يصغين بإقتناع.شيء سريالي، ها أنا هنا جندية في بزتي العسكرية وأستعد أن أقضي ليلتي داخل خيمة، وغداً ربما سأحمل سلاحاً، وبعد كل ذلك أغني بالفرنسية.
يحين الوقت لكي نفرغ صوانينا ونضعها على حزام ناقل.
لا غرابة.تشكيل رباعي.يسار، يمين، يسار، يمين، يسار، يمين. إلى اليسار إستدر.يسار يمين، يسار يمين، يسار، يمين.سرية (د) قف.
“لديكن الآن نصف ساعة حتى إطفاء الأنوار.الحمامات هناك بعد ثلاثة خيم.الليلة وكإستثناء لن تقمن بواجب الحراسة.الإستيقاض صباح الغد سيكون في تمام الساعة الرابعة والنصف وفي الساعة الخامسة ستكون خيمتكم قد أخليت تماماً وأنتن في تشكيل رباعي.من هي الرقم 3810254؟
ترفع بنت يكسو النمش وجهها ويدها.
“حسناً، أنت الآن مسؤولة عن المجموعة من الآن وحتى الأربع وعشرين ساعة القادمة.ستقومين بعد رفيقاتك الجنديات صباحاً وتعطيني تقريراً بذلك، هل تفهمين ذلك؟”
تقوم رقم 381054 برفع يدها حتى صدغها.
“نعم.”
“عليك القول نعم سيدتي.”
“نعم سيدتي.”
“جيد؟هل هناك أي سؤال من المجموعة؟”
“هل بإمكاننا أن نقوم بأية إتصالات هاتفية؟”تسأل تلك التي عينت لتوها رئيسة المجموعة.
“هناك كابينتا هاتف مخصصتان لكن بالقرب من المقصف يعملان بالعملة المعدنية.ولكن تذكرن أن ندائاتكن الهاتفية يجب الا تؤثر على الوقت المخصص للنوم.هل هناك أسئلة أخرى؟”
صمتنا هو الجواب.
“حسناً، سرية (د) إنصراف، عمتن مساءً.”
وأخذاً بان الليلة ستكون قصيرة، فقد أعتبرت ذلك نوع من السخرية.
مرة أخرى يدب النشاط في السرية.
حوالي عشر من الفتيات، أو أكثر يسرعن إلى الخيمة ويفتشن بجنون عن بطاقات الهاتف التي جلبناها معهن.آخريات بسبب أنهن أكثر إهتماماً بالنظافة، أو لأنهن أكثر إستقلالية، يمضين نحو الحمامات يحملن بأيديهن فرشاة الأسنان والصابون.
أجلس أنا لوحدي مترددة.هناك بعض الخيارات التي لا أستطيع أن أقررها.
مثل الآخريات، أشعر بأن على أن أخبر أحداً بما جرى طيلة يومي هذا.أعرف أن هناك في البيت من ينتظرني على أحر من الجمر.ولكن ان ذهبت إلى كابينة الهاتف فسأكون متلهفة أن أكلم “راحيل”، وبعدها “يوليا”.الفتيات الآخريات ( لم أتعود بعد على مناداتهن بالجنديات) سيضلن يضربن بالكابينة قبل أن أبدأ بضرب الرقم الثاني.هاتفان فقط وهاهم حوالي 200 بنت وصلن اليوم.وبحساب سريع فاذا ما قامت كل واحدة بإتصال واحد فان كل واحدة ستحصل على عشر ثواني وضمن ذلك الوقت المخصص لضرب الأرقام، وبدأ الإتصال ورنين الجرس.
مزعجات.
لسنوات كانت أمي تردد على مسامعي، إغسلي أسنانك ثلاث مرات كل يوم، بشكل جيد، صباحاً ، ظهراً ومساءاً.ربما علي أن أبرهن هذه الليلة مرة واحدة وإلى الأبد، ورغم أني قد كبرت، وأني أرتدي البزة العسكرية، بأني لم أنسى شيئاً مما تربيت عليه.

الطقس مداري بشكل لافت داخل مجمع النظافة (.. النظافة يا لها من كلمة).هناك حوالي عشرون فتاة يستحممن.الآخريات ينتظرن دورهن.ليس هناك ستائر، ربما غالية الثمن، أو لعله أكثر نظافة هكذا.أعتقد أن ذلك قد يكون السبب.ما لم يعتبر الخفر هنا خصوصية مرتبطة بفترة المراهقة، ولا مكان له هنا.
آخذ فرشاتي الجديدة من الحقيبة واقف أمام واحدة من خمس عشرة حنفية معلقة فوق حوض معدني واحد ضيق.الماء يجري ضعيفاً، مثلما تجري المياه في مجرى الرصيف، لكن هنا يجري مختلطاً ببقايا معجون الأسنان واللعاب.لا شيء من هذا يبدو مقلقاً للفتيات.بعضهن ينشدن أغاني من تلك التي تعلمناها في “التسوفيم، الحركة الوطنية غير الدينية.يبدون متسقات مع أنفسهن.ذلك ما جعلهن يخترن الحمام على الهاتف.
أفتش عن “اينات” ولا أجدها.لا أعلم في أي خيمة هي، وليس لدي أكثر من عشرين دقيقة قبل أن تطفى الأنوار.أريد أن أقرأ بعض الشيء وأن أكتب بعض الأشياء قبل أن أخلد إلى النوم.
الإتجاه خيمة السرية (د).
ثلاثة من رفيقاتي في الخيمة استلقين في أسرتهن.يقرمشن البسكويت بينما يناقشن رحلتهن غير المجدية إلى كابينات الهاتف.يحدقن بي بين الحين والآخر، ولكن ليس بما يكفي لكي يقطعن نقاشهن.أفتح كتابي.
“أنت أيتها الفرنساوية، هل تقرأين دليلاً سياحياً عن قواعد الجيش الإسرائيلي؟”
“هل تأملين أن تنهي رسالة دكتوراه في الإستراتيجية العسكرية في عامين؟”
“هل تحتاجين لقراءة “غطاء الركوب الصغير الأحمر” قبل النوم؟”
تستمر التعليقات الساخرة بالتطاير.لا أعيرها أية إهتمام.الدعابة الساخرة والإزدراء في هذا البلد هي وسيلة تواصل يدركها كل فرد.هي لغة داخل اللغة.إنها طريقة للتأكيد للشخص المعني بأنه ليس هشاً (وهو ما يعادل هنا كونه مبتئساً)، أي أنك لا تحتاج للدوران حوله بحذر.أنا أجعلك هدفي، وأن عليك أن تكون واحداً منا.
لذلك أغلق كتابي، الذي هو بالفرنسية، وأشرع بالتفكير في فرنسا، حول كيف كنا نسافر إلى باريس في العطلات.أختي وأنا كنا نحلم بذلك طيلة العام.ربما ليس من المناسب الآن أن أسترجع ذكريات أسعد الأيام في طفولتي.
أشعر ببعض الذنب لأني نحيت الكتاب جانباً.ويمتلكني شعور بأن على أن أدافع عن قرائتي أمام رفيقات الخيمة.
“اذا كان علينا أن نرتدي البزة العسكرية فذلك لا يعني الا نكون متعلمات.واذا كنت فرنسية فذلك لا يعني أن أعيش قصصاً خرافية.”
أدرك أني ربما تماديت قليلاً.
مدعية، متحذلقة، كاذبة، لصة، قميئة، شريرة، أستمر بالكتابة.بشكل آلي أصنع قائمة في رأسي، وهناك قليل من الشك أن ذلك ينطبق علي.)
ولكي أعوض عن غرور المثقف في، أضيف أو أن علي أن أطوي أشرعتي.نحن سنكون ملازمات لبعضنا البعض شهراً بطوله.لابد أن نتعرف احدانا إلى الأخرى.
لم يكن لإقتراحي أن يأتي في أفضل من هذا الوقت.جاءت الفتيات الآخريات من الحمام ومن كابينات التلفون.تفوح منهن رائحة الصابون بالفانيلا أو بأعينهن المحمرة، أو كما أتخيل بأحاديثهن التي تفطر القلب مع أمهاتهن.مقدمة.
“كارين”، من حيفا.”
“تامارا”، من عسقلان.”
“شلوميت”، ادعيني “شولا”، من بتاح تكفا.”
“سيفان”، رئيسة المجموعة، اذا ما كان علي أن أذكركن، من القدس.”
“ريكين” من كفار سابا.”
“يائيل”، من رفيفيم.”
“دوريت”، من طبريا.”
“غاليت”، من تل أبيب.”
“فيريد”، من بات يام.”
وأنا.
أسم غريب.من مدينة لم اولد بها.أسمائهن كلها لها معاني خاصة مباشرة، شعاع الشمس، تمر، غزالة، موجة صغيرة، وردة.أو انها تعود إلى شخصيات توراتية مثل “ربيكا” (رفيكا والتي تختصر إلى ريكي) أو “شلوميت”.انها أسماء تعني شيئاً، وهن يسألن مالذي يعنيه “فاليري”.
“لست أدري.أعتقد أنها من اللاتينية.ولكن اذا ما قطعتن الكلمة، فا، لي، ري، فأنها تعني إذهبن واضحكن.”
ذلك يثير حيرتهن قليلاً.ثمة في الخارج من يصرخ.”اطفؤا الأنوار.اطفؤا الانوار.”
تمتد عشرة آيادي لكي تطفئ الأنوار.أصوات تقول “تصبحوا على خير” من كل الإتجاهات.
إنها العاشرة والنصف.منذ خمس سنوات لم أخلد إلى النوم في مثل هذا الوقت المبكر.سألهو بشيء من التفكير.أدس جسدي في الفراش الضيق الصغير لكي يجد له موقعاً مريحاً، أستعيد ما حصل اليوم، سوف …
لا شيء من ذلك، وأغط في نوم عميق.
***

                                     عندما كنت جندية
                                       فاليري زيناتي
                                             ترجمة                       
                                     صلاح النصراوي
ج1 ف4
                                  إلى السلاح…، إلى آخره.
توقظني أمي بطريقة أكثر لطفاً مما هو معتاد.إنها السادسة والنصف وعلي أن أكون في مكتب التجنيد في غضون ساعتين.
“ماما…الوقت مبكر جداً” أغمغم.”دعيني أنام قليلاً.”
“لا”، ترد بحسم.”لايجب أن تذهبي إلى الجيش وأنت على عجل.”
أجر نفسي من تحت غطائي.رأسي ثقيل قليلاً.أعرف أني حلمت بـ”جين-ديفيد”:كان في دوامة، ولم يكن بوسعي الإقتراب منه.كان يرسم على وجهه تلك الإبتسامة الساخرة الدائمة، ولم يلحظ الجهد الذي كنت أبذله، ولا خيبة أملي اللاحقة.ثم كان هناك ثمة إطلاق نار، لكن ربما كان ذلك صوت مقبض الباب الذي كانت أمي تديره وهي تدخل الى غرفتي.
اتسلل إلى الحمام، وأشعر كان الأمر برمته يجري بطريقة آلية.كيف يمكن للجسد أن يقوم بكل تلك المناورات حين يكون العقل متوقفاً، حين يكون هامداً.أعد نفسي بأني سأحاول أن أجد كتاباً بشأن الموضوع.أفترض دائماً أن جميع الأجوبة موجودة في الكتب.
أمي صنعت فطوراً من طراز خمسة نجوم.كيك، رائب محلى بالقيقب، شكولاتة حقيقية ساخنة، عصير برتقال طازج.لابد أنها استيقظت الساعة الخامسة لكي تنجز كل هذا، ولكي تسعدني، ولكن من غير أن تدرك أنها قد تجعلني أبدو مثل مدان بالموت يلتهم وجبتهه الأخيرة-في هذه الحالة مدانة.أحصل الآن على الأفضل قبل أن يرسلوني لكي أواجه الأسؤ.أنا أبالغ.دعوني أقول الأمر بشكل صريح أنا الآن في طريقي لكي اواجه المجهول، وهو بالتأكيد أمر مثير للمخاوف كبداية.
بعد أن أنهيت وليمتي، أنزل لكي أتمشى قليلاً في الجوار.أمشى بين الممرات والمساطب والمساحات الصغيرة المعشبة.ثم أمضي ناحية زاوية العمارة التي يقع فيها بيتنا وأرنو من هناك نحو مدرستي التي تقف أمام الصحراء، ثم أنظر إلى شباك “يوليا” وبعدها إلى شباك “راحيل”.أطبع كل التفاصيل الدقيقة في مخيلتي، وكأني التقط صورة لعالم مراهقتي، بالضبط مثلما عملت لعالم طفولتي في الريف الفرنسي قبل أن أغادره قبل خمس سنوات.
عرض علي “فريدي” أن يقلني إلى مكتب التجنيد.ذكرته أنه جندي هارب من الجيش، وأن ذلك هو أسؤ مكان يمكن أن يذهب إليه.يضحك ويرد بأن صورته ليست معلقة في كل القواعد العسكرية ضمن قائمة أكثر المطلوبين.ثم يضيف:”أن ترمي نفسك إلى فك الذئب، هي أفضل طريقة لكي تتفادي تحديقه بك.”بإمكاني القول ان “راحيل” قلقة لكنها لا تقول شيئاً.
في تمام الساعة الثامنة يتم وصول الجميع.
يأتي “إيلان” الذي حصل على إجازة سياقته تواً بسيارة والدته.سيارتان ليستا بالكثير، اذ أن هناك عشرة أصدقاء سيصاحبوني.أنه موكب رئاسي، تكريم غير مسبوق، يكرسه بشر.يشكلون حرساً للشرف، ويؤدون تحية عسكرية لي.أشعر باني على حافة البكاء، كما فعلت أمس.غددي الدمعية تبدأ بالسيلان بطاقتها القصوى، أنها تعمل ساعات إضافية غير مدفوعة الأجر.أنا سيدة الغدد الدمعية المسالة.
يضع “فريدي” أغنية “شلومو ارتيزي” على أعلى درجات الصوت.”لكني جندي أيتها الفتاة الصغيرة فلا تبكي”.يعلو صوتنا.”ولكني جندية أيها الصبي، فلا تبكي”.خلفنا يقرع “إيلان” بوق السيارة من حين لآخر على نغمة اللحن الذي يستمعون إليه.لم يعد الأمر مجرد جعجعة، بل تجربة في قياس مدى تسامح الناس مع مستويات الصوت.ولكن ليس هناك من يعترض.إنهم يعرفون أن الخريف هو موعد الحصاد وأن المحصول هو شباب في عمر الثماني عشرة.
في الخارج يبدو مكتب التجنيد مثل سوق لقطيع من الجنود.ناس تصرخ، تتعانق، تضحك، تبكي.البنات اللواتي في طريقهن إلى أن يغادرن، مثلي، من السهل التعرف عليهن. فهن محاطات بأصدقاء ومعارف، يتحلقون حولهن.الدفئ الذي يحيط بهن مستساغ.جرعة من الصداقة، حصة أخيرة من الحب، قبلة من أب، أو أم.قبلة لأخ صغير، يقف بإعجاب صامت (هناك واحد ربما في السادسة، أو السابعة) يرتدي ملابس عسكرية وينظر إليه الجميع بحب.أشيح بنظري بعيداً بإرتباك.
الأباء والأمهات يمكن التعرف عليهم أيضاً.أنهم في الخامسة والاربعين من أعمارهم، وليسوا في العشرين بطبيعة الحال، ولكن أكثر ما يلاحظ أنهم من تدمع أعينهم، يبدون فخورين وقلقين في نفس الوقت.يتفادى أحدهم نظرات الآخر التأمرية.الظاهر أنهم يفهمون بعضهم البعض من دون كلام.
كما أن هناك الإعلام.حين يقترب المصورون من البنات فان معظمهن يأخذن موقفاً يبدين فيه وكأنهن في وضع طبيعي، على أمل أن يكن فوق صفحات الجرائد في اليوم التالي مع خبر صغير:”العد العكسي، في الطريق إلى الجيش” أو “قبلة قبل الخاكي.”
بسرعة أرفع نظاراتي عن عيني.اما “يوليا” فان أجفانها ترتعش بسرعة خاطفة.
“أصدقاء وخصوم للآبد”، أتمتم مع نفسي.
فجأة تندلع حركة في الحشد الواقف.جندي يظن نفسه رئيس الأركان أو شبيه بـ”رامبو”، يندفع ممتطياً مقدمة احدى الحافلات التي كان محركها يعمل مستعدة للإنطلاق.ينظر إلى الحشد لثوان، بينما ترتسم على شفتيه إبتسامة سادية.تغمره سعادة تمنحها اياه لحظات السلطة التي تعبر عنها نظرات البنات التي تكاد تأكله، وكأنه يحمل حياتهن بين يديه، في حين أن كل ما كان لديه هو حفنة أوراق يقرأ منها بلا مبالاة مقصودة.يهبط سكون، يتنحنح ثم يبدأ التمثيل.
أشعر وكأني عام 1914 وأني جزء من التعبئة العامة.
“سيداتي، ايتها الجنديات.سنبدأ الآن بسحب القرعة.لا، أنا أمزح معكن.حين أقرأ أسمائكن أرجو من كل واحدة أن تنهض وتمضي إلى الحافلة وتعطيني رقم تسلسلها.هل لي أن أطلب منكن الا تطيلن التوديع.أنه أمر ضار بالصحة، كما أنه لن يساعدكن في إنقاص الوزن.”
تجز “يوليا” أسناناها بإشمئزاز.
أتمنى أن أفعل مثلها، وأن أصرخ بأنه مجرد غبي مزعج.ولكني أرتعب من فكرة أن يكون هو الأحمق الأول الذي أبدأ به هذه الرحلة الطويلة، وبالتأكيد لن يكون الأخير.
“كما أنه قميء.” تقول “يوليا” لتواسيني.
“إنه مجرد جندي إداري.يهمس “فريدي”.”انظري إليه بإمعان وستدركين أنهم جميعاً كذلك، لا أدري لماذا يشبهون بعضهم بعضاً، وكأنهم من عائلة واحدة.”
“الغباء هو سمة عائلية.”يقول “إيلان”.
يحملق الجندي الإداري بنا.ولكن بسبب المسافة بيننا فلا يمكنه سماع الحديث الذي يدور بيننا، ولكن لمجرد أننا منهمكون بالحديث فأن ذلك هو بمثابة إهانة له، لأنه بالتأكيد ينتظر منا صمتاً مطبقاً.
يبدأ صلواته.
“تالي افنيري…”
تنفجر كتلة من اللحم على رأسها شعر مجعد بالبكاء، وتحضن أمها.يتفرق الحشد لكي يفسحوا لهم المجال لكي يمروا، وكأنما إشارة إنطلقت، وعلت صيحات الوداع، مما حدا بالإداري أن يرفع صوته الطالع من أنفه لكي يجعل الجميع يسمعونه.
“رونيت بيربي..”
أقبل كل واحد عشرات المرات بإحساس المتعجل.يقولون أشياء كثيرة تختلط معا حتى لم اعد أسمع شيئاً.
والدي في ذروة إنفعالاتهما وتبدأ دموعهم بالهطول.
تعتذر والدتي“وعدت نفسي ألا أبكي..فلم أرد…”
“لا تعبئي بذلك.”أهمس في أذنها.”لايمكنك أن تكوني مختلفة عن الآخريات.وعلى أي حال، فأن الأمر ليس بذي بال.فمهما كان الوقت الذي ستنهظين به لكي تلتحقي بالجيش عليك دائماً أن تسرعي الخطى.
تبتسم من بين دموعها.يعانقني أبي بحنان ويهمس بعبارات تبدوا مثل “إعتني بنفسك.”أصدقائي يقولون أشياء تهدف إلى إثارة ضحكي.
حرف (زد) هو الحرف السابع في الألف باء العبري.لن يطول الوقت حتى أسمع أسمي.
“تامي فارشافيسكي…فاليري زيناتي…”
أعض على شفتي، أحاول أن أحافظ على توازني وأنا أرفع الكيس الذي يصل وزنه إلى ثلاثة أطنان وأناول أوراق إستدعائي إلى ذلك القميء، الذي إنتقل بالمناداة على الأسم التالي.
أختار المقعد الأخير القريب من الشباك.الحشد يتجمع حول الحافلة، هناك من يومئ بالحب، بالوداع أو بالتشجيع.تمتليء الحافلة بسرعة، تغلق الباب، وتشرع الحافلة بالمسير وتختفي الوجوه.
أتمدد في مقعدي وأغمض عيني.
كل شيء انتهى.إنها فقط البداية.
تمضي الحافلة خارج المدينة، ترعد على الطريق الصحراوي بإتجاه تل أبيب.هو ذات الطريق الذي قطعته عشرات المرات من قبل ولكني أشعر الآن وكأني لا أعرف أين ينتهي.جئت بجهاز اللإستريو معي، وأرغب بالإستماع إلى شريط “داني روباس” الذي أهداه لي أصدقائي.
هناك كوع يلدغني في الجنب ويجذبني بعيداً عن الموسيقى التي بدت لي وكأنها تراتيمي الخاصة.أنزع سماعات الأذن.البنت التي تجلس إلى جانبي تنظر إلي بنظرة تأنيب.
“يا حلوة، هل تعتقدين أنك في رحلة إلى “إيلات؟ الا تدركين أننا الآن جنديات؟”
“إذن، مالمشكلة؟”
المشكلة.هناك على بعد خمسة مقاعد.متر وسبعين سنتمتراً، ويبدو مثل عجل، غير أنه ليس مرئياً.إنه مسؤول عنا حتى نصل إلى قاعدة الإستقبال.”
“نعم، ولكن ثم ماذا؟”
“لقد قال لتوه أنه غير مسموح بالإستريو.”
“ولكننا لسنا على طائرة على وشك الاقلاع.” أرد بغضب.
“لا علم لي بذلك، فلم يسبق لي أن ركبت طائرة من قبل.ولكن ما أعرفه أن عليك أن تهبطي إلى الأرض والا فانك لن تصلي إلى أي مكان اذا ما واصلت ذلك.ستواجهين مشكلة حقيقية.”
“أنت تغمرينني بالتفاؤل، لا بد أنك ملاك النهايات السعيدة.”
“وأنا بإمكاني القول أنك ستكونين ممتعة.أنت لست كالآخريات.تبدين وكأنك هبطت بضربة حظ… مثل ..مثل..”
تحاول أن تعثر على إبتسامة وأنا أحاول أن أساعدها.
“مثل براز الطيور.”
تتسع عيناها بتعجب.
“لابد أنك من كوكب “دولالي”.تقول بإحتجاج.إنه كوب جديد ضمن مجموعتنا الشمسية.”
“نعم، هذا صحيح، أنت ذكية جداً، ملاك النهايات السعيدة.ولكي أكون صريحة معك فقد جئت لكي أتجسس على ثاني أقوى جيش في العالم، أم هل هو الرابع، لست أتذكر.”
“ستنجحين في مهمتك.اذا كان الجميع مثل ذلك العجل الذي كنتم تهزؤن به أنت وأصدقاؤك قبل قليل.لن يكون الأمر هيناً عليك لكي تدركي مدى قوة الجيش الإسرائيلي.”
“هنا أنت مخطئة، أيتها المسكينة ذات الخيال المحدود.ليس العجول أو حتى الأولاد ما يعنوني.إنه الجيش برمته.نقطة.فقرة جديدة.”
“هممممم…..لديك كومبيوتر معقد في رأسك.”تهمس بإعجاب.”أتمنى الا نفترق سريعاً بعد وصولنا للقاعدة.هل لديك أدنى فكرة عما سيفعلون بك؟”
“همممم…نعم، ربما.خلال العام الماضي أستدعيت ربما أربع مرات لإختبارات نفسية.لخدمة الإستخبارات ربما.لكن لا شيء أكيد.”
“ها..ها أنا أمام جندية حقيقية.”
أومئ برأسي مواقفة.حان الوقت لكي أظهر بعض الإهتمام بها.
“وهل تعرفين أنت إلى أين ستذهبين.هل تعرفين مالذي تريدين عمله؟
“نعم، أنها مرسومة في ذهني، أنا أريد أن أكون معلمة رياضة.”
هذه القناعات الراسخة توقعني في ورطة.أنظر إليها بتمعن.نحن الأثنتان جالستان، ولكن لدي إحساس بأننا في نفس الطول، حوالي 164سنتميتراً.هي أكثر ذكورية كما يمكنني أن أستنتج من عضلات ساعديها ورجليها.شعرها الكستنائي قصير جداً، قصة شائكة هي المودة السائدة منذ حوالي عام.لا أدري لماذا ولكني دائماً ما إعتقدت أن البنات بقصات الشعر القصيرة تلك يكن شديدات الثقة بأنفسهن، يمارسن الرياضة وإجتماعيات.وبعبارة أخرى انهن في سلام مع أنفسهن.ملامحها مربعة، جلدها ناعم وعيناها خضراوان، كلها متنافرة وكأنها كانت طيلة عمرها تحاول الهزء من العالم حولها، وستبقى كذلك.تزرع الثقة في نفسي.آمل الا نفترق حين نصل إلى قاعدة الإستقبال.
“علي إبلاغك، من باب المعرفة بالشيء، بأن أسمي هو “فاليري زيناتي”.”
“سعدت بلقائك، إحتراماتي…وأنت لك الشرف بمخاطبة “إينات هايموفيتش”.”
“لا أدري ماذا أقول…هل تعتقدين أنه من غير المسموح لنا بالنوم؟”
“ذلك العجل الصغير لم يقل شيئاً عن ذلك.”
“حسناً، اذا سمحت لي فأني أريد أن أغمض عيني قليلاً.لدي شعور بأن ذلك لن يكون متاحاً كثيراً خلال الأيام القليلة القادمة.”
“صدقت، “فاليري زيناتي”.دعيني أفعل ذلك أيضاً.”
أوافقها وأغمض عيني.في نصف إغماضة أرى رأسينا يستريحان أحدهما إلى الآخر.أشعر بإرتياح.
الصوت الاتي عبر المناخير والمضخم بمكبر الصوت يوقضنا بحدة.
“ايتها الجنديات، نحن على وشك المرور عبر البوابات إلى قاعدة الإستقبال.ستمضون اليوم هنا.ستستلمون أغراضكم وتنهون إجراءات التسجيل.وبعدها سترسلون إلى قاعدة التدريب حيث ستلتحقون بالصفوف.”
احدى الفتيات في المقاعد الأخيرة ترفع يدها وتسأل برجفة:”هل صحيح أنهم سيطعموننا باللقاح.”
موجة من الضحك تسري في صفوف الحافلة.تعتذر الفتاة والدموع تجري في عينيها، بينما تتمتم بأنها ترتعب من الحقن.
العجل يؤكد الخبر المؤسف، مضيفاً، “أرجو أن تظهرن أفضل ما عندكن خلال السنتين القادمتين.”
تميل “إينات” نحوي وتهمس،”نسى أن يقول وداعاً، وبلا رجعة.”
أبتسم لها.أنظر إلى خارج النافذة.نحن على حاجز بوابة القاعدة.هناك لوحات بيضاء معلقة على سياج الأسلاك الشائكة كتب عليها:”منطقة عسكرية مؤمنة.يمنع التصوير.المخالفون يعاقبون بموجب القانون.”
سبق وأن رأيت العشرات من هذه اللوحات في الماضي.إسرائيل بلد صغير جداً، ومن الصعب الا ترى منطقة عسكرية كلما خرجت من دارك.ولكن مثل باقي الفتيات في الحافلة لم يتسنى لي أن أعرف مالذي يختبأ وراء الأسلاك الشائكة.قلبي يخفق بشكل أسرع قليلاً، أفقد صبري وينتابني الخوف.هذه واحدة من أكبر القواعد في إسرائيل والتي تقع على حافة تل أبيب.كل جندي إسرائيلي سواء أكان فتى أو فتاة لابد وأنه قضى يوماً أو يومين من حياته في هذا المكان.أول يوم في الخدمة وأخر يوم فيها.
هناك جندي يقوم بالحراسة على البوابة.يبدو ضجراً بشكل لافت.يفتش حقائبنا بلا مبالاة، يقول بضع كلمات إلى مرشدنا ثم يلوح للحافلة بالمرور.تسير الحافلة لبضعة دقائق قبل أن تتوقف أمام عدة مباني مشيدة بطريقة البناء الجاهز.هناك امرأة بإنتظارنا، ضابطة كما هو واضح من الرتبة التي تحملها على كتفها.يهبط مرشدنا من الحافلة يؤدي التحية لها.ينتابني شعور بأن هذه مجرد تمثيلية صغيرة هدفها أثارة إهتمامنا.الضابطة ترد التحية.
نترجل من الحافلة.
“صباح الخير يافتيات.أنا الرائد “ساريت نيغون”، أنا مسؤولة عن الإستقبال والتدريب.إدعوني بالرائد، لاشيء غير ذلك.هذه هي المرة الأخيرة التي ستكونن فيها فتيات.اليوم ستصبحون جنديات، وعندما تخلعون البزة العسكرية بعد سنتين، اذا ما سار كل شيء على ما يرام، ستكونن سيدات.”
“هذه ليست تحية إستقبال أنها خطبة مأتم.”أهمس في أذن “إينات”.
“لم توضح في ما اذا كان فض البكارة هو جزء من الثمن كذلك.”تهمس هي ايضاً.
“عليكن تعلم بعض القواعد الآن.”تستمر الرائد “ساريت” بالقول.القاعدة الأولى، لاتسألوا أي سؤال عدا في الحالات الطارئة.كل ما ستأمرون به تم مراجعته من قبل أناس مسؤولين ومتمكنين.يجب تنفيذ أي أمر يصدر من أي شخص أعلى منكن رتبة، طبعاً على الا تكون قتلاً، أو خيانة، أو إعتداء جنسي.”
ضحكة مكبوتة يضج بها الجميع.
“القاعدة الثانية:لا ضحك، لا كلام، ولا حتى حركة عندما يخاطبكم أحد ما.لا أحد هنا موجود بهدف المتعة.هناك مجموعة معدة من القواعد العامة ستعطى لكل واحدة منكن في قاعدة التدريب.والآن ستستلمون أرقامكن وهوياتكن العسكرية وبعد ذلك سيتم تطعيمكن.”
صاحباتي يغلقن أفواههن.هل هن خائفات فعلاً، أم أنهن يخشين من إظهار عجيزاتهن أمام الجميع.
شخصياً أنا لست خائفة من أي منهما.
“ستتناولون الغداء هنا ثم توزع عليكن البزات.وسأستغل هذه المناسبة لكي أتلو عليكن القاعدة الثالثة.إن سرقة أو ضياع أي قطعة من الملابس أو المعدات أو السلاح عقوبتها السجن مدة تتراوح بين أسبوع إلى سبع سنوات.واضح.والآن العودة إلى اليوم.بعدما تغيرن ملابسكن وترتدين البزات سيتم نقلكن إلى قاعدة التدريب، بالحافلة، وهناك ستبدأ رسمياً فترة الخدمة العسكرية.والآن إتبعوني.”
نشكل طابوراً منفرداً.الجميع متعاونات وكأنهن طالبات في المدرسة الإبتدائية.”إينات” تسير خلفي مباشرة.
نمضي إلى مساحة مغطات يصطف فيها بعض الجنود الإداريين الذين ينظرون إلينا شزراً.أدرك أنها لن تكون المرة الأخيرة التي نتعرض فيها إلى مثل هذه الاهانات الحمقاء العابرة.نحن الفتيات الجديدات وتلك هي الحالة التي سوف نبقى عليها لبعض الوقت.
يتم تصويرنا لعمل الأوراق الثبوتية.ليس هناك وقت لكي تختاري الوقفة أو تعدلي شعرك أو تصطنعي إبتسامة، عشر ثواني هن أكثر ما يمكن أن تأخذه كل واحدة.
يعطوا كل واحدة منا قرصاً معدنياً ذي جزئين معلقاً بسلسلة متينة ويأمروننا بالا ننزعه أبداً.على كل جزء من القرص كتب الأسم واللقب والرقم العسكري.يخبروننا بأنه في حالة الموت، أو القتل في المعركة فأن القرص سيساعد على معرفة هوية الضحية.اذا كان من الصعوبة نقل المصاب من ساحة المعركة فان الجندي السليم سيقوم بكسر القرص ونزع نصفه لكي يأخذه إلى السلطات إلتي تأخذه بدورها إلى عائلته، في حين يترك النصف الآخر على جسم المصاب.حين يؤخذ الجندي أسيراً فأن القرص يعني أن بإمكان الصليب الأحمر التعرف على هويته.
أثارت الأشارة إلى إمكانية الموت ضلالاً من الجدية على وجوه كل واحدة منا.الف السلسلة حول رقبتي وأبدأ بفرك القرص لتدفئته، بينما أبقى مرعوبة بما أطلقه هذا الصوت الميكانيكي عن الجثث والضحايا والموت وأرض المعركة والعائلة التي ستنقل إليها الأخبار المؤكدة.
أستدير نحو “إينات”.
“كان بإمكانه أن يقول كل ذلك بصوت أكثر رقة، أكثر حزناً وأكثر إعتذاراً.لقد بث كل ذلك الرعب وكأنه كان يروج لبضاعته في مركز تسوق.”
“الجيش ليس للشعراء، يا فتاتي العزيزة.”
تبدأ الرائد بالحديث مجدداً.
“إحفظن أرقامكن العسكرية، هنا هذه الليلة.إنه هويتكن.عليكن بترديده بسرعة حتى لو أوقضت إحداكن في منتصف الليل.”
أنظر إلى قرصي: أنا 3810159.رقم “إينات”، (علي أن اقول) “إينات” هي 3810168.
يعطونا بطاقة الأسير.تستوقفني بطاقتي، مكتوبة بالعبرية والفرنسية والتي أصبحت معروفة بأنها لغة الجيوش العالمية.يملؤني ذلك بالغبطة، وهو ما أثار إستغرابي قليلاً: كأنها فرنسا، رغم أنها بعيدة جداً، غير أنها تعطي مؤشراً على الصداقة، مؤشر بإمكاني وحدي أن أفهمه، وسط إستغراب باقي البنات اللواتي حولي.أغرق نفسي بإهتمام جدي بقراءة ملخص إتفاقات جنيف المطبوعة خلف البطاقة.
بعد ذلك يأتي دور التطعيم، الألم، لاننا كنا متوترات جداً كدنا أن نموت، عشرون منا في غرفة واحدة رافعات مؤخراتنا عالياً.
ثم جاء دور الطعام في مقصف كبير.نحمل صوانينا ونمر من بين جنود يرتدون بزات القتال يتدافعون، يتبادلون النظرات والضحكات.هناك شيء ليس بإستطاعتي فهمه:لو كنا التقينا مع هؤلاء الفتيان والفتيات في ظروف مغايرة لكنا تبادلنا الأحاديث بشكل طبيعي، كأشخاص متكافئين.لكن في هذه القاعدة لكل منا دور يلعبه، نحن نمثل مجموعة (الأحداث) بمواجهة أخرى (الأقدمون)، وفي الحقيقة لايهم كثيراً من يكون ماذا، فكل عنصر لابد من أن يعمل ما بوسعه ليسخر من الآخر.أعترف لـ”إينات” بما في خاطري، أتوقع أن يكون هناك بعض التعليقات الساخرة.لكن ذلك لا يحدث.هي تومئ برأسها بشكل جدي.يقودونا لكي نقوم بعمل شيء آخر.شيء كان زاد حديثنا مع صديقاتنا خلال الأشهر القليلة الماضية: البزة العسكرية.
أعتقد أننا جميعاً نتوق لها بشكل غير معلن لأنها ستحولنا، ستمنحنا بعض الغواية، بعض الثقة، إحساس بالهوية.تمتد آيادينا بتوق لكي تتلمس الحزمة؟في الداخل هناك كيس كبير مصنوع من الجوت (كيس الجندي) قميصان بأكمام طويلة، قميص واحد بأكمام قصيرة مصنوع من القطن الخشن، بلوزة واسعة، زوجان من السراويل، تنورة تشبه كيس البطاطة، أنوراك رجالي نوع “ميشلن”، قبعة سوداء عليها رمز الجيش الاسرائيلي، حقيبة ظهر (سوداء كذلك عليها خيطان من الشرائط الفسفورية حتى يمكن رؤية حاملها بالليل.) مع أحذية من موديلات الخمسينات والتي تعرف بأسم حذاء “غولدا” نسبة إلى “غولدا مائير” التي استعملت 82زوجاً منها خلال حياتها، والتي كان إهتمامها بالأزياء أِشبه بإهتمام فلاحة من أوكرانيا في القرن التاسع عشر.
تحذير بالا نقوم بأية تحويرات في البزة لأننا قد ننقل إلى البحرية أو القوة الجوية حيث أن بدلاتهم رمادية.بالنسبة لسلاحنا، والمعدات وبدلة القتال فاننا سنستلمها من قواعد التدريب.
نرتدي البزات في زمن قياسي وتبلغ الإثارة أقصاها أمام المرآة الوحيدة التي في الغرفة.دهشة وزخم من العواطف والسعادة في إرتداء البزة، شيء أشبه بإرتدائك لحذاء أمك وأنت طفل صغير.يمضي الوقت سريعاً.
يأمرونا بالإسراع والخروج والوقوف في تشكيلات من خمسة في كل صف لكي يعطونا هوياتنا وأخيراً للصعود إلى الحافلة.الفتيات اللاتي يعرفن بعضهن يحملقن بفرح في عيون بعضهن البعض.أضغط على قبضتي بشدة، وآمل بغباء أن يعني إستعراض القوة هذا أن يتم أرسال “إينات” معي إلى نفس القاعدة.
النداء على الأسماء ثانية.أنتظر سماع رقمي.أحي صديقتي الجديدة بإشارة صغيرة وأمضي ببطئ إلى الحافلة وفي حلقي غصة.أكاد أن أقع على الأرض بعد أن يصدمني كيس يبلغ وزنه نحو 65 كليو غراماً.خمسة وستون كليو غراماً هو تقدير تقريبي يمثل وزن “إينات” ال 55كيلو غراماً و10 كليوغرامات هو وزن كيسها.
ها نحن على الطريق.أنا في البزة أجلس إلى جانب فتاة أصبحت لتوها قريبة مني، وهي أيضاً في البزة.أنظر إلى ساعتي.
مضت نحو عشر ساعات منذ ابتدأنا.
                 دولة علي بابا
         في تشريح سلطة الفساد والمحاصصة في العراق
(3)
                                          الفساد انتقام امريكا من العراق
منذ الغزو الامريكي للعراق عام 2003 والسؤال الذي يتردد على الالسن هو ما هي الاسباب الحقيقية للغزو غير الاكاذيب بشأن اسلحة صدام والكلام الاجوف عن تحرير العراق منه.الجواب كان دائما هو حتى تفتح ملفات الارشيف الامريكي فلن يكون بالامكان التعرف على تلك الاسباب او الدوافع ومعرفة مكنوناتها الحقيقية.تلك هي الاجابة من وجهة نظر التاريخ الذي بامكانه ان ينتظر ما يشاء من الزمن، ولكن من وجهة نظر الحاضر فان الاجابة قائمة في شواهد الواقع الذي عليه العراق الان الذي هو ليس الا خرابة تقوم على انقاض دولة وكيان ومجتمع بشري وركام من المعاناة والالالم والمخاوف والقلق.
السؤال الثاني الذي يستتبع التساؤل الاول هو:هل كانت هذه النتيجة اي تدمير العراق كدولة وكيان، عملية مقصودة ومبيتة ومنظمة، ام كانت ناتجا عرضيا بسبب الاخطاء العديدة القاتلة التي ارتكبت سواء بطريقة تنفيذ الغزو او في ادارة الاحتلال؟هنا ايضا تقف كل شواهد الحاضر لتؤكد بما يقطع اي شك باليقين بان تلك كانت جريمة تدمير شامل، ان لم تكن ابادة جماعية لوطن، مع سبق الاصرار والترصد مكتملة الاركان ارتكبها مخططون ومنفذون ومبررون اصبحوا الان معروفين كل بالدور الذي قام به.
هناك الكثير من الوقائع والنتائج المتحققة التي تثبت وقوع تلك الجريمة الا ان الفساد بكل انواعه يقف كاحد ابرز تلك الادلة الدامغة لان نتائجه وتبعاته واضحة العيان كما انها ستبقى تعيش مع العراقيين سنوات، بل عقود، طويلة وستترك اثارها على اجيال عديدة منهم.ان الشاهد على ذلك يتجلى بنظام المحاسيب (cronyism) الذي اقامه الاحتلال وتركه لزمر من الخانعين والمتعاونيين معه والذين لا يزالون يقبضون على ناصية الحكم ويقيمون نظاما تنعدم فيه الفضائل الاخلاقية ومغرق بالفساد الذي يغذي بدوره حالة الفوضى والعنف المستشرية بالبلاد.
ان وراء مفهوم “دولة علي بابا” الذي روجه الاحتلال منذ اول لحظة له على الارض العراقية تقوم صناعة امريكية متكاملة سعت لاقامة هيكل اقتصادي لاعادة توزيع شامل للدخل والملكية والادارة والانتاج عبر خلق اوليغاركية تابعة تركت لكي تغرس جذورها عميقا في التربة العراقية الى فترة طويلة.ونظرة متفحصة للواقع العراقي ترينا كيف ان نظام المحسوبية والشللية والزواج بين السياسة والمال الان هو الذي يهيمن على العقود والمقاولات والتجارة والبنوك والاستثمار مع ارتباط  مركينتلي كامل بالمنظومة الاقليمية والدولية.
 في الفترة الاخيرة افتضحت احدى “حكايات علي بابا” واصبحت اكثرها شهرة بسبب ما كشفت عنه ايضا من ارتباط عنكبوتي بقضية الامن وادارة الدولة وهي حكاية نمير العقابي.كان عالم المال والسياسة والمخابرات في دول المنطقة واوربا وامريكا يعلم بحكاية العقابي ويتابعها بتفاصيلها غير المسلية في حين كان المسؤولون العراقيون يمارسون عاداتهم بالخداع والتضليل حتى دب الخلاف داخل “مغارة علي بابا” وانكشف المستور بتبجح نوري المالكي بدور ابنه في القاء القبض المزعوم على العقابي.
في 18 آيار 2011 كتبت نيويورك تايمز تقريرا عن حركة الاعمار في العراق كجزء من عمليات غسل سمعة الاحتلال قبيل الانسحاب كان احد ابطاله نمير العقابي الذي وصفته بانه واحد من اغنى اغنياء العراق.اما كيف كون تلك الثورة فالجريدة الامريكية العريقة لا تترد بالقول انه الاحتلال الذي جعل منه “رجلا غنيا جدا جدا.”في مستهل التقرير تنقل الصحيفة عن العقابي قوله للكاتب “يا صديقي، ان العراق غني وبكر” وهي عبارت دالة تفضح النهم للمال وشهوة الاغتصاب وهي سمة كل من شارك في مشروع “دولة علي بابا”.
من اين أتى اول مليون؟في 11 تشرين الثاني 2007 كتب نوريس جونز في النشرة الداخلية للقوات المسلحة الامريكية تقريرا يتحدث فيه ايضا عن جهود اعمار العراق وخاصة تلك التي يقوم بها فيلق المهندسين في الجيش الامريكي للاشراف على 541 مشروع بقيمة ملياري دولار وهي مشاريع ترميم للمستشفيات والمدارس ومحطات المياه والصرف الصحفي وغيرها.كان الفيلق قد انجز حسب ذلك التقرير 3700 مشروع مماثل بقيمة 5,8 مليار دولار كان نصيب شركة العقابي 80 مشروعا منها كان مبلغ مناقصة مشروع واحد منها وهو مشروع  معالجة مياه الرصافة 50 مليون دولار.
وهكذا بدأت رحلة الملايين لعراقي غادر بلده وعمره سبع سنوات وجاب العالم في رحلة بحث عن الرزق ولكن لم يحالفه حظه الا بعد عودته مع الاحتلال.
هناك مثال اخر عن منظومة الفساد التي اقامها الاحتلال مبكرا.
يروي زياد قطان الذي اشتهر في حكاية اخرى من حكايات علي بابا كانت هي الابرز في قصص الفساد الخيالية وهي صفقة الاسلحة البولونية الشهيرة والتي كان احد ابطالها وزير الدفاع حازم الشعلان في مقابلة مع جريدة لوس انجلز تايمز يوم 6 تشرين الثاني 2005 انه قبل عمله كرئيس قسم المشتريات في وزارة الدفاع كان يعمل في بيع المياه والزهور والاحذية والسيارات  في بولونيا التي عاش فيها.” اما الاسلحة فلا”.ومع ذلك فان هذا الشخص الذي عمل مع المحتلين منذ الايام الاولى للاحتلال ككبير مستشاري وزارة الدفاع ومسؤول المشتريات فيها فقد وقع 89 عقدا لشراء الاسلحة بكلفة قدرها 1,3  مليار دولار لاعادة بناء الجيش الذي دمروه باعتباره جيش صدام.
مالذي تقوله الصحيفة عن تلك الصفقة؟انها جرت بسرية تامة وبدون مناقصة وان الدولارات كانت تحول نقدا على شكل رزم عبر وسطاء هم اصدقاء لقطان يقبضون عمولة سمسرة على ذلك وان بعض قطع الاسلحة هي مجرد خردة وغالية الثمن والادهى من ذلك ان بعض المعدات لم تصل الى العراق اساسا.
قصة قطان كما ترويها الصحيفة  لجمهورها الامريكي منذ عودته الى بغداد بعد خمسة وعشرين عاما من الغربة قبل الغزو بيومين وتعينه في ذلك المنصب الكبير هي الاخرى تصلح كحكاية مسلية للامريكيين من “حكايات الف ليلة وليلة” و”علي بابا والاربعين حرامي” ولكنها بالنسبة للعراقيين هي قصة مأساوية من مسلسل التخريب المتعمد للعراق وتدمير ارادة شعبه سنجد ملفاتها في اقبية الاجهزة السرية التي حاكت ذلك المشروع الجهنمي والذي اولد النموذج الحالي.
من ناحيته، يقدم شاهد من اهلها وهو علي عبد الامير علاوي وزير المالية ووزير الدفاع في تلك الفترات في كتابه “احتلال العراق، ربح الحرب وخسارة السلام” تفاصيل مروعة عن ما يدعوه بملحمة السرقات الكبرى التي ابطالها حسب وصفه “وزراء انتهى امرهم بالهرب من وجه العدالة متهمين بالنصب والاختلاس والسرقة” او “مغامرين لايردعهم رادع” او “افراد كانوا يعملون في محلات بيع البيتزا”.الذين عملوا في زواريب ادارة الاحتلال من عراقيين واخرين يتحدثون بشهادات تفصيلية مؤلمة عما كان يدور حول تلك الصفقات التي كانت تجري في مكاتب سلطة الاحنلال والسفارة الامريكية ومعسكرات الجيش والتي لم تجر بشأنها حتى الان اي تحقيقات او يحال اصحابها الى القضاء.
ان العديد من قادة المعارضة لصدام الذين تبنتهم الولايات المتحدة كانوا معروفين بفسادهم وانغماسهم بعمليات اجرامية مثل التهريب وتجارة السلاح وسرقة الاموال، بعضها من معونات الدول التي كانت ترعاهم، او من اموال خيرية او من نهب اموال السفارات والوفود العراقية قبل انشقاقهم، كما ان بعضهم ممن صدرت بحقهم احكام قضائية مشهورة.ان مجرد وجود هؤلاء في صدارة المشهد بعد الاحتلال كان يمثل صورة وقوة مثال تبعث برسالة لكل من لديه الاستعداد للانظمام لـ “دولة علي بابا” الاتية على انقاض دكتاتورية صدام.  
كانت هذه الممارسات بالذات التي انفقت من خلالها مليارات الدولارات على مشاريع تافهة او وهمية ولا وجود لها على جماعات اعتبروها صديقة او متعاونة مع الاحتلال هي حجر الاساس في منظومة الفساد التي اقيمت في دولة علي بابا لانها كانت تهدف الى بناء ثقافي يقوم على بناء مؤسسي للفساد.كانت السياسة التقليدية الامريكة وللغرب الكولنيالي عموما تلجأ الى المؤامرات والدسائس والانقلابات وتزوير الانتخابات في البلدان التي تحتلها او تلحقها بتبعيتها الا انها الولايات المتحدة لجأت في حالة احتلالها للعراق الى التخريب النفسي عبر الفساد ليس تجريبا بل من خلال قناعة مخططي الاحتلال بانه اذا كان العراق مختلفا في توقعاتهم بشان احتمالات المقاومة فلابد من التعامل معه بشكل مختلف ايضا.
لقد جرى كل ذلك رغم وجود قوانين امريكية تمنع دفع رشاوي او اي من ممارسات الفساد بسبب الحصانة التي توفرت للجيش وباقي المشاركين في عملية الاحتلال من دبلوماسين وموظفين بل وحتى المتعاقدين من خارج هذه الاجهزة.ولكن تلك الحرب كانت اساسا بلا مبادئ وقامت على الكذب والخداع وانتهاكا للقانون الدولي وشرائع الامم المتحدة مما يجعل الجدل بشأن الجانب القانوني وحتى الاخلاقي ضرب من ضروب الثرثرة ما لم يتم تفنيد مشروع الاحتلال من اساسه باعتباره غزوا كولنياليا مدمرا وفقا للحقائق الصارخة امامنا الان واجبار امريكا على الاقرار بانها مسؤولة عن مأساة القرن في تخريب بلد بالكامل وتدمير خيارات شعبه.
ان احد الاسباب التي تقف وراء الاجندة الامريكية في اشاعة الفساد وتخريب الذمم هو ترسخ قناعة لدى المخططين الامريكيين للحرب والغزو ان هناك درجة عالية من العداء لامريكا في العراق التي هي ارث عقود طويلة من نضال الحركة الوطنية ووعي العراقيين بن امريكا لم تأت الى بلادهم لتحريرهم من صدام او بهدف تحقيق الديمقراطية او اي من شعارات التغير والاصلاح التي كانت قد رفعتها في منطقة الشرق الاوسط انذاك.لقد اختبرهؤلاء المخططين ذلك  عمليا حين لم شاهدوا  العراقيين  وهو يأنفون عن استقبالهم بالورود وحين بدأت المقاومة للاحتلال سريعا مما استوجب رد الفعل الانتقامي ذلك الذي جعل العراق على ما هو عليه الان نموذجا منحطا للفساد والخراب الاقتصادي والتردي السياسي.
ان هذا الاستنتاج ضروري للرد على تلك التساؤلات التي سيقول اصحابها ماذا لو كان العراقيون قد رحبوا بالاحتلال وبالسيطرة الامريكية على بلادهم ولم يبدوا مشاعر الكراهية للولايات المتحدة، فهل كانت امريكا ستختار طريقا اخر لمساعدة العراقيين على اعادة بناء بلادهم؟ان احسن رد على ذلك هو ما جاء به “بيتر بيكر” الصحفي في نيويورك تايمز في كتابه “ايام النار” الصادر هذا الشهر نقلا عن مسؤول امريكي بارز في ادارة الرئيس بوش بقوله “لقد ذهبنا للعراق ونحن نبحث عن مؤخرة شخص ما لنركلها”.والحقيقة انهم لم يركلوا شخصا بحد ذاته، بل ركلوا بلدا باكمله.

                                    عندما كنت جندية
                                     فاليري زيناتي
                                            ترجمة                       
                                    صلاح النصراوي
ج1 ف3
                                  العد العكسي إلى الجيش
 عندما أخبرت أولاد عمي في فرنسا الصيف الماضي بأني في طريقي إلى الجيش بعد البكلوريا ذهلوا تماماً، خاصة البنات اللواتي لم يكن بإستطاعتهن فهم أي واقع يمكن أن يختبأ خلف كلماتي تلك.بنات في الجيش، في البزة العسكرية، أسلحة وكل شيء آخر، بدا لهم وكأنه شيء من فولكلور غامض، تماماً مثل لعبة ترتدي فيها البنات ملابس الأولاد لبعض الوقت.كان بإمكاني الإستنتاج بأنهن لن يفهمن مطلقاً وأن علي أن أتخلى عن محاولة الشرح.
الجيش هنا هو جزء من حياتنا.حتى قبل أن يتم تجنيدنا، وحتى قبل أن يتم فحصنا لأول مرة (الفحص الذي يرعب كل الفتيات لأنهن يعرفن أنهن سيوضعن في مجموعة من خمسة حيث عليهن الإصطفاف والمرور عاريات على الأطباء الذين يكونون بالغالب من الرجال، الفكرة بحد ذاتها مثيرة للخوف لديهن.)
الجنود هنا، سواء أكانوا فتياناً أو فتيات هم أبطال الماضي، أولئك الذي ربحوا حرب الإستقلال، حرب الأيام الستة، وحرب يوم الغفران.في يوم الشهداء كل عام يعرضون أفلاماً وصوراً بالأبيض والأسود عن جنود، يسلبون الألباب بأناقتهم، ينظرون إلى الكاميرا، في حين تبدو على محياهم ابتسامة ذابلة، مبهرة.نمر بهم كل يوم في الشارع، في السينما، في مراكز التسوق، في النوادي، في محطات الحافلات، عند جيراننا، عند أصدقائنا، معظمهم في لباس الخاكي، وأقل عدداً في بزات القوة الجوية الرمادية.يعودون إلى بيوتهم من قواعدهم، أو بالعكس، في ساعات راحتهم، يخرجون للنزهة، يغازلون.لا أحد يلاحظهم بالذات لأن هناك الكثير منهم، ولأنه شيء مألوف، ولأن كل واحد منهم أما أنه كان في الجيش أو لايزال فيه، أو سيكون فيه يوماً ما.ولكن حين ينام جندي على كتف شخص ما في حافلة، فأن الجميع يتبادلون تلك النكات المحببة، ورغماً عنه فان الشخص الذي يتكأ عليه الجندي يبدي حرصاً الا يتحرك لكي لا يوقظ ذلك الفتى، أو تلك الفتات في الثامنة عشر من أعمارهم، والذين ينذرون عامين أو ثلاثة من حياتهم لخدمة الوطن، كما يقولون عندنا.حين يتعلق الأمر بالجيش فأن الجميع يتفق على شيء واحد:إنه أمر مرهق، ولكنه ضروري.
دائماً ما يكون الجيش والجنود هناك، في الأفلام القليلة التي أنتجت في إسرائيل، في الأغاني التي لا عد لها والتي تعزف في الإذاعات دائماً.في كل شريط لـ”شلومو أرتيزي”، مطربي الإسرائيلي المفضل، هناك أغنية عن الجندي.أشعر كأن الشريط الذي ظهر قبيل التحاقي بالجيش المعنون “حر يوليو-أغسطس” يروي قصتي، كأنه كتب خصيصاً لي، كأنها هذه الأشهر من الصيف، الأخيران من الصيف، هما ملكي، يختزلان في خمس عشرة أغنية:حب يتلاشى وسط الآلام، ومشاعر الذنب، وجع الحنين، وسواد هذه الإنتفاضة، الذي يجثم فوق كل شيء، يستهلكنا، أو كما يقول البعض، يهدد بإبتلاع أرواحنا.
والحقيقة، وأخيراً وليس آخراً.فالجيش بالنسبة للفتية هو البنات وبالنسبة للفتيات هو الفتيان.وبتعبير آخر فان كل بنت (نأخذهن على سبيل المثال) تأمل بأنها ستجد في ذلك (الكتالوغ) الكبير من ينتظرها من الفتيان الذين هم في الثامنة عشر أو في العشرين من أعمارهم، شاب يبدو لديه متسع من الوقت لكي يصارحها بحبه، شاب يعني كل ذلك بالنسبة لها:أنا رجل، رجل حقيقي، قوي ولكن حساس، أنا هنا لكي أحميك.أما الآخريات اللواتي لديهن أصدقاء فيعشن في خوف، تنتاب  كل واحدة منهن الكوابيس كل ليلة، من أن جندية رائعة الجمال، تستحق الموت من أجلها، ربما تظهر لصديقها وتعرض له كتفها لكي يبكي عليه.ومن بين الأشياء الأخرى أن الجيش هو مسرحنا الكوميدي.
نحن أمة عالقين بين الأغاني والبحر والحرب.بلد الموت فيه مقبول من سن الثامنة عشر، ولكن ذلك لا يجعل من أي شخص أكثر ذكاءً.بلد نحن فيه مقتنعون بان الحب يمكنه الإنتظار في تلك القواعد العسكرية التي تحيط بها الأسلاك الشائكة، تحت الخيام، في أكياس النوم.هذا هو بلدي، لذلك فاني أعرف وأفهم كل ذلك بشكل طبيعي.ومع ذلك فأني أحس تجاهه باني غريبة، أجنبية.
لدي متسع من الوقت، شهور، لكي أفكر بيومي الأخير، قبل الموعود المحتوم.سأذهب لحمام السباحة مع “جين-ديفيد”، سألعب معه التنس، طبعاً سأغلبه، دعوني أقول 46، 46، 57، سيقبلني ويهمس لي، “مبروك ايتها العقيد” وسنمضي بعد ذلك إلى بيتنا حيث يلحق بنا الجميع، “يوليا”، “راحيل” وصديقها “فريدي”، “إيلان”، “رافي” و”توفا”.سيجلب “إيلان” غيتاره معه، وسيغني الجميع بالروسية، أغنيات لا أفهمها ولكني أحبها، أنا و”جين-ديفيد” سنغني بالفرنسية، وستبتسم أمي والدموع في عينيها، بينما تأخذ لنا صوراً، وهي تقول “يا لكم من شباب رائع.”
“جين-ديفيد” سيقضي الليلة معي، (أمضيت أياماً أتوسل إلى أمي لكي تتفضل بالموافقة على ذلك) وفي صباح اليوم التالي 19 سبتمبر سيذهب معي إلى مكتب التجنيد، سيضمني إليه وسيقبلني لمدة طويلة بينما يراقبنا أصدقاؤنا بحنو، في حين أن البنات الأربعين من بئر سبع اللواتي سينضمن إلى الجيش سينقسمن بين من هي غيورة، ومن هي معجبة، وهم يروني أودع صديقاً جميلاً ببشرة بيضاء، وجاكيت شبابي، يدخن سجائر مالبورو بالعلبة الحمراء.
اليوم هو الثامن عشر من سبتمبر ولا شيء يحدث وفقاً للخطة.الشخصية الرئيسية في السيناريو لايزال غائباً ومنذ الصباح وأنا أتمتم مع نفسي “وغد، وغد، وغد”.لم يعد الأمر مؤلماً (كما كان طيلة الصيف حيث قضيت الليالي ساهرة أستمع إلى أغانينا المفضلة.)-فالان أنا غاضبة فقط عليه لأنه أفسد السيناريو الذي وضعته.
صباح اليوم ذهبت إلى “اكسترافارم” لكي أعمل للمرة الأخيرة.الجميع إحتفوا بي حتى أنهم علقوا بالونات في مخزن البضائع مع لافتة كتب عليها:”ايتها الجندية، إذهبي بسلام وعودي لنا بالسلام”.وجدت الأمر برمته مضحكاً، ومثيراً للعواطف.كما أنهم أهدوني قنينة سائل تلطيف الجسم ماركة “نينا ريتشي”.شكرتهم من كل قلبي، رغم أني كنت أعرف بأنها ليست غالية الثمن لأن العاملين يحصلون على خصم قدره 30بالمائة.كنت أفضل قنينة عطر، وأشعر بالإستياء أن لا أحد فكر بذلك.لدي مزاج يتسم بالقرف، في رأسي أصوات تطحني، ومع هذا فاني أبقى مبتسمة، أقبل الناس، أضحك على نكتة تافهة حول الجيش سمعتها مئات المرات، وأوافق دون تردد على أشياء يصرون عليها:
“سترين…ستكبرين..الجيش يغير كل شيء…ستشعرين بالحنين إلى البيت…وخاصة طعام أمك.إن ذلك من أجل الوطن، إنه شيء عظيم..عليك أن تعملي شيئاً للوطن..إنها تجربة، إنها جامعة الحياة…، أضبط أعصابي.أجوبتي غامضة، أدمدم بعبارات لا يصغي إليها أحد، لاني لست هنا لكي أتكلم، بل لكي أصغي الى الحكم البليغة لهؤلاء الناس الذين يفخرون بتجاربهم، كما أنهم سعداء لأن الفرصة واتتهم لكي يستعيدوا ذكرياتهم في الجيش للمرة المليون، مصحوبة، كما لابد منه، بـ”طبعاً أنها كانت أكثر صعوبة حينذاك.”إنهم لطفاء، لقد قدموا لي هدية، كما أنهم إشتروا قطعتين من الشكولاتة البيضاء،(أيضاً مع تخفيض 30بالمائة)، كما أنهم حملوا عني عبء العمل-“ستحتاجين إلى طاقتك نظراً لما تنتظرينه غدا-ولكني أشعر أن علي أن اشحنهم جميعاً الى غزة(كما نقول هنا)، أرغب بأن أقول لهم إذهبوا إلى الجحيم بكلماتكم الجوفاء، التي لاتصلني، أشعر بالضجر أكثر فأكثر، حزينة وغاضبة، دون أن أدري لماذا.ادعي ان لدى صداع كي استطيع أن أغادر مبكرة، لا أحد يسألني.والحقيقة أنها ليست كذبة:الالم الغامض الذي اعرف كنه جيداً، حين أكون عصبية يدك رأسي.أخلع بزة العمل الزرقاء للمرة الأخيرة.أمضي خارجة.انها الساعة 3:27.
أذهب إلى الحمام، حيث لا حيلة إلا أن أشاهد أمامي الميثاق المشهور بالوصايا العشر.أحمل في حقيبتي قلماً احمراً للخط.أخرجه، يصبح دافئاً في يدي، أو لربما أن يدي هي التي تصبح دافئة بعد ملامستها له.لقد نسيت تماماً أن كان درس الفيزياء أم الكيمياء هو الذي يفسر ذلك لنا.أرفع الغطاء، أتردد ليس بسبب خوفي من أن يمسكوني، بل بسبب أني لم أقرر حتى تلك اللحظة مالذي يمكن أن اكتبه.احتاج لكلمة واحدة، جملة واحدة صاعقة، تقول كل شيء، شيء محدد يمكنه أن يعكس مشاعر الثورة التي في داخلي.تورية، شيء مختصر، كلمة منحوتة، ضربة معلم.أخيراً أختار:”وقال الرب: “ليكن هناك رأسمالية متوحشة، “فكان هناك “اكسترافارم”.وأشير إلى مرجع:اصحاح الشغيلة المستغلة، الفصل الأول، الآية 7.
أودع العاملين المجتمعين بالشركة وامتطي دراجتي.لم أكن لأهتم لو أنهم أمسكوا بي-في الواقع كان سيبدو الموقف مثيرا للضحك في رؤية وجوههم حين يتوجه العشرات منهم إلى الحمام لكي يعلقوا على وجهة النظر الجاحدة تلك-ولكن كان على أن أعود إلى البيت بسرعة.رأسي تنفجر.
الشقة فارغة.اخذ ثلاثة أقراص أسبرين.أشيائي منثورة على فراشي، أمي رتبتها بعناية، وفقاً للقائمة التي أرسلت من قبل الجيش.الملابس الداخلية يجب أن تكون بيضاء، الجواريب سوداء، أو بيضاء،وبمواصفات خاصة، الا تكون بشرائط، أو بحافات ملونة، أو مطرزة.المجوهرات ممنوعة تماماً خلال التدريب.بإمكاني أن اخذ معي مواد تكفيني لإسبوعين.أعلم أني سأغادر غداً ولكن لا أعلم متى ستكون إجازتي الأولى.
أنظر إلى الأكوام الصغيرة التي صفت بعضها فوق بعض، الحقيبة الجديدة التي يمكن تنظيفها بالماء، والتي اشتروها للمناسبة.كأني ذاهبة إلى مخيم لقضاء عطلة.أو لفسحة.ولكن من بإمكانه أن يذهب لقضاء عطلة في مخيم لمدة عامين؟فجأة أشعر بموجة من الرعب في داخلي.ماذا لو كتبت وصيتي؟قد يكون هذا هو الوقت المناسب.في هذا الوقت من الغد سأكون بعيدة جداً من هنا…أضيف جهاز الستريو الخاص بي إلى كومة الملابس، معه أشرطة غنائية، بضمنها أشرطة إغاني فرنسية، أريد أن يكون جزءاً، ولو صغيراً من فرنسا معي.كذلك كتاب، كتاب جيد يمكنه أن يبكيني ويضحكني في آن.ذلك هو تعريفي للكتاب الجيد، مزيج من التعاسة والسعادة.
هل سيكون هناك وقت للقراءة؟لايهم.لكن ينبغي أن يكون هناك دائماً كتاب معك.وكذلك دفتر ملاحظات لأدون فيه.إنهما ضروريان من أجل البقاء.
يرن الهاتف.أتردد لبرهة، ربما هو مدير “اكسترافارم” لكي يخبرني كم هو محبط من نكراني للجميل….بعد كل ما فعله من أجلي…أغادر بتلك الطريقة، أشوه الوصايا العشر!ليس لدي رغبة بأن أصغي إليه.لا أشعر بأني قادرة أن أشرح له.غير أن الهاتف يظل يرن.ليس لدينا جهاز تسجيل المكالمات، إنه غال.لايهم فلن أعرف أن كان هو أو شخص آخر.
أنتظر توقف الرنين قبل أن أرفع السماعة.أريد أن أكلم أي كان لكي أبدد عصبيتي.”لويبا” اخت “يوليا” الصغيرة تقول لي أن “يوليا” ذهبت إلى المدينة، ربما بصحبة “راحيل”، هي ليست متأكدة.أم “راحيل” تقول لي أن ابنتها بالخارج، ربما ذهبت إلى المدينة مع “يوليا”.تتمنى لي حظاً سعيداً في خدمتي العسكرية.حظاً سعيداً…لا يمكنني أن أعرف مالذي يعنيه ذلك، ولكني أشكرها بأدب.أنا فرنسية وعلى أن أحافظ على سمعتنا الوطنية في ميدان اللياقة.
أحاول الآن أن اعثر على “فريدي” صديق “راحيل”.هو طويل، عريض المنكبين، وذي عينين خضراوين تجعلك تشعر أنه يصغي للشخص الذي يكلمه.أنا متيمة به.تتوتر “راحيل” حين تسمعني أقول ذلك، ولكنها الحقيقة، ولا أرى أني أسيئ إلى آحد في ذلك.تم تجنيد “فريدي” قبل ثمانية أشهر في سلاح الهندسة.أعتبر يومها أكثر الجنود براعة من بين أفراد دفعته.ولكن ما أن عرض قابلياته وبرهن على براعته خلال شهور الدورة الست، فانه لم يستطع الإستمرار بتلقي الأوامر التي إعتبرها أحياناً غبية، لذلك فقد هرب من الجيش، بما يعني أنه عاد إلى البيت في آحد أيام الجمعة، قبل أسبوعين، ولم يعد ادارجه يوم الأحد التالي.لا يبحث الجيش عنه بجدية الآن، وبالنسبة لنا فنحن نحاول أن نستغله بأكثر ما يمكنا، سيارته، مهاراته في المطبخ، وصوته المحبب الذي يغني به بالعبرية أجمل من أي أحد آخر.ليس في ذلك ما هو غريب، فقد ولد هنا، فهي لغته، بغريزته يضع المقاطع الصوتية في مكانها تماماً، دون أي عناء بشأن عدد المقاطع أو بناء الكلمة.هو الأخ الأكبر الذي تمنيته أن يكون لي.لسنوات كنت أظن أن ذلك كان سيحل لي كل مشاكلي.
لكن لا أحد يجيب في بيت “فريدي”، ولذلك اقفل السماعة، وأنا يائسة.أين هم؟لماذ إختارت “يوليا”، والأهم “راحيل” هذا اليوم بالذات لكي يتبخروا بالهواء الطيار.في هذا المساء الذي احتاجهم فيه، كان يفترض أن يكون أمر منتهياً منه، ولكن لا، كان يجب أن اخبرهم،” يا بنات، سوف أذهب إلى الجيش في التاسع عشر من سبتمبر.إن لم تكن لديكم مشكلة، فأنا لن أمانع اذا ما التفتوا حولي يوم الثامن عشر.تعلمون أن بودي أن أتحدث إليكم، أعني اذا كان لديكم ما هو أهم من ذلك تعملوه، فلا تتردوا أن تتظاهروا بأني لست هنا، فأنا بالتأكيد لا أود أن أنتهك حريتكم، فأنا أعلم كم هي مهمة.في أقل من أربع وعشرين ساعة سوف لن يتبقى لي أي شيء منها.
أذهب لاتمشى حول المبنى فربما اجدهم فوق العشب، يتبادلون الأحاديث بسعادة، وغير مكترثين بي.لا أحد هناك.أعود إلى الشقة لكي اخذ المضرب والكرة والعب مع الحائط في نادي الألعاب، المواجه لمبنى السكن.بعد ساعة من توجيه الضربات المباشرة، أقرر بأنني قد هزمت نفسي، 46، 46، 57.الضربة الأخيرة كانت مشكوك فيها، ولكني لم أعترض.
أمي تحيني بإبتسامة عريضة.
“أين كنت؟أختك تكلمت من القاعدة لكي تتمنى لك حظاً سعيداً.تتأسف لأنهم لم يسمحوا لها بالمغادرة الليلة.
“سونيا” في القوة الجوية منذ عام، في قاعدة كبيرة على مسافة نحو سبعة كيلومترات من هنا.قاعدة خمس نجوم، كما هي كل القواعد في القوة الجوية.لديهم ساحات للتنس، حمامات سباحة، دور سينما، غرف موسيقى وسوق كبير.تستمتع “سونيا” بأوقات رائعة.لديها إجازات إعتيادية، أما باقي الوقت فتستمتع فيه بحياة مريحة في قاعدتها المرفهة.وهي أيضاً تعتقد بأنك تأملين بأن تكوني محظوظة.
“ذهبت لألعب التنس لوحدي.ألم يتصل أي أحد آخر، عدا “سونيا”؟”
“لا.”
“لا “راحيل”، لا “يوليا”، لا “فريدي”؟”
“لا، لا أحد.”
مجروحة، أشعر بأنني مجروحة بجد.أعرف أن ذلك يبدو غريباً، ولكن ذلك ما أشعر به.أمي قلقلة.
“هل هناك أي مشكلة؟”
“لا، لا، كل شيء على مايرام.(أقول ذلك بالانكليزية، لأني حين أفعل ذلك، أشعر بأني أكثر حرية واقل إنكشافاً)
“كيف كانت “اكسترافارم”؟”
“ممتازة، ممتازة تماماً.نفخوا بالونات واطلقوها، نشروا الزينة في كل أنحاء المتجر.كان شيئاً عظيماً، شعرت بأني مثل طفلة في الثالثة من عمرها.”
“تبدين ساخرة جداً.”
“لا، لست كذلك.”
“نعم، أنت كذلك.عندما تتكلمين الانكليزية فانت ساخرة.أنا أعرفك جيداً.”
“أولاً وقبل كل شيء، أنا تغيرت نوعاً ماً، منذ أن كنت طفلة.ثانياً، هذه ليس وقت النكات.ثالثاً من الذي يطبخ هذا المساء أنت، أم أبي؟”
“أبوك.فكر بالبيتزا، هل سيلائمك ذلك؟”
“ممتاز، جدـــ”
أستدير نحو الهاتف الذي قرر فجأة أن يرن.صوت محبب يأتي من الطرف الآخر يقول، “فاليري، كيف أنت يا جميلتي.”
ما هذه العادة التي لا يقول الناس فيها من هم حين يتكلمون على الهاتف.شيء مقرف حقاً.هل يعتقدون أن هناك جهاز فيديو هاتفي مزروع في الجانب الأيسر من دماغي؟”
“ليس لدي جهاز فيديو هاتفي مزروع في الجانب الأيسر من دماغي”، أقول،” من المتكلم؟”
“يا لك من مهرجة!” إنها كاثرين.(احدى صديقات أمي.) اردت أن أتمنى لك حظاً سعيداً وأن أواسي أمك، المسكينة.لابد أنها مكسورة الخاطر، بنتان في الجيش…”
“لا ليست حزينة، ليس هناك من هو أسعد منها، أعني الليلة بإمكانها أن تواري حياتها كأم شابة، إذا كنت تردين أن تريها فستكون في أحد النوادي منتصف الليل.أخيراً تتخلص منا.ثمانية عشر عاماً، تلك فترة أكثر من كافية لكي تعرفي أولادك.”
أسمع ضحكة لا تخلو من حرج، رداً على ماقلته.أمي تنظر إلي بشزر.أعطيها سماعة الهاتف بدون إكتراث وأغلق علي باب غرفتي.سأحول أي أحد آخر يتمني لى حظاً سعيداً إلى صوص السباكتي.
“شلومو ارتيزي” يغني لي، يقول لي أنه جندي وأن على الا أبكي، أنا تلك البنت الصغيرة.فجأة أفكر بأن كل، أعني كل الأغاني، تدور حول الجنود، عن الجنود الفتيان، ليست عن الجنديات.كأني أبحث عن سبب إضافي لكأبتي، هذا هو:امضين سنتين في الجيش، أيتها الفتيات، لكن بالله عليكن، لا تتذمرن.مهما كان ما ستفعلونه، لا تظهرن ذلك في أية أغنية!
انها السادسة والنصف.
حينما تركني، نبذني، دمرني “جين-ديفيد” أدركت بأن بالإمكان الغرق ولكن من غير أن أموت.أفتح كتاباً كيفما إتفق، أقرأ جملة دون أن أعرف مالذي جرى قبلها، ثم أعود وأقرأها في السياق ما يجعلني أشعر وكأني ألتقي بصديق قديم، صديق يعطيني الثقة.شيء لا يصدق.
ومضى، هكذا، مع معاني كثيرة مخبأة.أعود إلى البيت أعاني من أفضع نوبة إرهاق دون أي سبب.ذلك هو أفضل ما يكون.ما أعنيه هو أن ذلك النوع من قلق ما قبل الولادة، دون تفسير هو الأكثر عمقاً، الأكثر منطقية، الوحيد الذي يمكن أن يكون حقيقياً.إنه ينبع من عمق المشكلة الحقيقي.
يرن الهاتف، يرن ثانية، ومرة أخرى.أقفز في كل مرة ولكن أمي لا تبدي إهتماماً بأن ترد.جدتي، عمتي، خالي، أختي كلهم يتصلون ويمطروني بكلمات التشجيع، وكأني رياضي عظيم قبيل دخوله مباراة حاسمة، كأني محكوم قبيل أن يمضي لتنفيذ عقوبته.كم هم لطفاء.لكني بإنتظار إتصال آخر.ليس بنفس القناعة الآن، ولكني لا أزال بنفس الأمل.
الساعة حوالي السابعة الآن وأنا على إستعداد لكي أنفجر بالبكاء.لدي تلك العقدة التي في حلقي، ها هي على وشك الإنفجار.يرن جهاز الإنتركم، ذلك قد يكون أبي تذكر بأن على أن اؤى إلى الفراش مبكراً لكي أنهض صباحاً وأنا بأتم إنتعاش وراحة ويقظة، ولذلك جاء لكي يعمل البيتزا التي سأكلها دون أية شهية، حزينة ومنطوية.
“نعم.”
أسمع جلبة غير مفهومة، ثم كورساً.
“نحن.”
“هم؟نعم أنهم هم.في تلك الأصوات المتمازجة أعرف صوت “راحيل”، “يوليا” و”فريدي”.يطلعون السلم بسرعة، وها هم هنا وأيديهم ممتدة بصواني وهدايا يقبلوني ويعانقوني.
“إذن، هل ظننت أننا نسيناك؟”، تسألني “راحيل”: مع إبتسامة تأمرية.
“لا، لا ، إطلاقاً…”
“كاذبة”، تطلقها “يوليا”، علي بينما تضربني برفق على أنفي.
“أنت مقنعة بقدر ما “بنيشيو” مقنع.”
“لا، صدقوني، لقد خمنت أنكم ستفاجؤني!كنت أقرأ كتاباً وأنتظر قدومكم….”
لا وقت لدي لكي أتمم جملتي قبل أن أنفجر بالبكاء.لم يكن أمراً موفقاً، ولكن لم أستطع أن أمسك زمام نفسي، لقد جاء الأمر عفوياً.يعانقوني ويأخذوني لأجلس على المقعد.
“إنها عاطفية جداً”، تقول “إيلينا”، التي كانت هناك أيضاً.
“لا تقلقي، فقد جئت بما هو مطلوب”، يقول “إيلان” وهو يلوح بغيتاره.
“هيا، دعوا الحفلة تبدأ!” يصرخ “فريدي” وهو يفرغ الصواني المليئة بالمعجنات المطعمة بالجبنة وبالبيتزا والحلويات الشهية.
“كنت أعمل طيلة النهار، مع مساعدتي”، يضيف واضعاً يديه بحنان حول عنقي “راحيل” و”يوليا”.ومضة ضياء.أمي تلتقط صورة.حسناً فعلت، كانوا رائعين، الثلاثة، عيونهم تلمع بإبتساماتهم وصداقتهم وبالسرور الذي يبدوه في إعداد هذه المفاجأة لي.على حين غرة، أجد نفسي أتنفس براحة أكثر.أكلنا، شربنا، تحدثنا عما يعتريني من شعور، أنا البنت الأولى في المجموعة التي تلتحق بالجيش.
“أنا خائفة”، أقول،”أنا مرعوبة حتى الموت.لا أستطيع الثبات لدقيقة.لا أطيق الإنتظار إلى يوم الغد، حتى أرى مالذي يريدون أن يفعلوه بي.”
“لن تعرفي الكثير”، يخبرني “فريدي”، “ستعرفين فقط القاعدة التي ستتدربين فيها، ومن هن البنات اللواتي سيكونن معك في نفس الخيمة.دورات التدريب، وخاصة للبنات، هي بداية، مجرد مقدمة.الكثير من الأشياء تجري هناك ولكن معظمها لا علاقة له بما سيجري بعد ذلك.
“خذي الاشياء كما هي”، يقول “إيلان”.”على أي حال، ليس بإمكانك أن تتخذي اي قرار.هم من سيختار مالذي ستفعلين ولمن ستنتسبين.ستكونين واحدة من بين آخرين، ستكونين مجرد فرد في الجيش.”
“دعها وشأنها”، تتدخل “راحيل”.أنتم تزعجونها بحكمكم الدنيوية الرخيصة!”
“يا إلهي، كأنه الأمس يوم خطوت لأول مرة نحو المدرسة”، تتمتم “يوليا”، تنظر بعينين مغشيتين.”لم تكوني تتكلمين كلمة عبرية واحدة، وحاولتي أن تتفاهمي بالانكليزية، غير أن لكنتك الفرنسية دعت الجميع يضحكون، لذلك لم يكن يصغي إليك أحد.كنت تبدين أجنبية جداً، ضائعة جداً…، والآن تتكلمين مثلنا، وتحبين نفس الموسيقى التي نسمعها، وتلتحقين بنفس الجيش مثلنا…”
نسترجع ساعات النقاش تلك، حين كنا نصوب مسيرة العالم، حين كنا نتجادل بشدة لأننا كنا نحمل أفكاراً سياسية متباينة.أحزاب القمامة، أحزاب البراعة، أفلام هوليود العاطفية، أفلام “ودي ألن”، المسلسلات الامريكية التي كنا نشاهدها دون أن نترك أي حلقة منها، حفلات “شلومو أرتيزي”، النميمة الفضيعة التي نتبادلها كل يومين أو في الأمسيات على الهاتف، تحت مسمع الوالدين اللذين كانا يفكران بجدية إقامة جمعية لإلغاء نداءات الساعات الثلاثة.إرتياد النوادي في بئر سبع، أو تل أبيب، أول مرة شربنا فيها “التكويلا”، أول مرة (تعرفون ما أعني) حسب الترتيب:أنا، ثم “راحيل” وبعد ذلك، أخيراً “يوليا” مع ألماني كان متطوعاً في “كيبوتز” قضى فيه أسبوعين.ليالي السكر تلك، الحزينة، السعيدة، المليئة بالفلسفة، الكتب التي بدأنا كتابتها على أمل أن يقر بنا يوماً ما كروائيات، شابات لامعات (“يوليا” وأنا)، الكتب التي ذرفنا دموعاً فوقها، الأشياء التي كانت تجمع الأولاد والبنات سوية، الأشياء التي كانت تفرقهم، هل الصداقة ممكنة بين ولد وبنت؟ (أنا وفريدي)، البكلوريا، التي لم نستلم نتيجتها بعد، والتي لا نبدي بها أي إهتمام هذا المساء، الحب الخالد الذي لا يدوم إلا أياماً قليلة، الرحلة إلى “إيلات” والبحر الأحمر، درجة الحرارة 40بالظل، “راحيل” تدهن نفسها بمرهم “فاكتور-90” المقاوم للشمس، أما أنا و”يوليا” فندهن أنفسنا بمرهم “فاكتور-4” كل ثلاثة ساعات، كي نمنح أنفسنا لوناً برونزيا خفيفا، في المساء ينضج الجلد، وتصبح أي لمسة به مؤلمة، نظرات “راحيل” المبدئية.التعبيرات القليلة الفرنسية والروسية التي تعلمناها طوال السنين:”كاك ديلا”، “خرشو”، “يا هاتشو دامواي”، يا تبيا ليبلو”، “سباكيون نوتش”،”باجولستا”، “شتو تي هوتشيتش!” “كتو تا كويا”، “بريفيت؟” “كومن سافو”، “سا فا بين”، “جيتيم”، “مون أمو”.”أو ايرا تو فوندرا كوند تو فودرا”. “جي فوا لا في تين روزن”، الأسئلة، الأجوبة، الشكوك، المعلمون السخفاء، والرائعون.حياتنا، سنوات الصبا التي تتنفح تحت أعيننا ونحن نمر بتجربة المشاعر غير المألوفة، شيء جميل ولكن حزين يثقل على قلوبنا، لأول مرة ينتابنا شعور هائل بالحنين.
“ماذا لو فتحت هداياك؟، تقترح “راحيل”، وعيناها مثلنا جميعاً، تحتفظ بدموعها، لكنها ليست من ذلك النوع الذي يستلم بسهولة لكل تلك العواطف.
يشكلون حلقة حولي، يراقبون ردة فعلي والتي أنا على يقين أنهم تنبؤا بها.
أصدقائي الأبعد مثل “إيلان” و”إيلانا” أختاروا أشياء كلاسيكية، كريم الحمام بطعم الكرز، أقراط وطاقم تجميل.”راحيل”، “يوليا” و “فريدي” إشتركوا لكي يقدموا لي شيئاً خاصاً جداً، أو مفاجأة.
شريط أغاني لـ”داني روباس” (أصبح يشكل تهديداً لـ”شلمو ارتزي” وفي مقدمة العشرة الذين في القمة.)، بضعة أشعار لـ”يوناتان غيفن”، الأكثر حساسية وسخرية بين شعرائنا وصحيفنا وكتابنا، ومطوية على سبيل السخرية تحتوي على أشياء من أجل البقاء صفت بترتيب بحيت ينبغي علي أن أفتحها بنسق معين: مع كل واحدة منها هناك ملاحظة تفسيرية:
رزمة واقي ذكري للحالات العاطفية الطارئة.
رزمتان من مناديل ورقية لمساءات الإحباط الشديدة.
شمع إزالة الشعر للحالات المستعجلة.
أسبرين لمعالجة الرأس المتصلبة.
مصباح يدوي لرؤية نهاية النفق.
قميص كتب عليه “من أجل العطلة” لكي يمنحني “أحلاماً سعيدة”.
انف المهرج، لكي أضحك على الأقل مرة واحدة يومياً حين أنظر إلي وجهي بالمرآة.
25بطاقة تلفون للإتصال بهم عند منتصف الليل، لكي أقول لهم …”
البوم تصاوير صغير “مع أفضل صورنا” لكي لا أنسى أن لي أصدقاء سيكونون دائماً هنا.
أقول لكل منهم شكراً، أقبلهم جميعاً، وبرصانة أمنح كل واحد فيهم وساماً لأفضل الأصدقاء في العالم.يبدأ “إيلان” بالعزف على غيتاره ويغني أغنية لـ” للروسي “فلادمير فيسوتسكي”.ثم نغني جميعاً بالعبرية بينما تأخذ امي صوراً لهم من جميع الزوايا.يغمرني شعور رائع.غداً لم يعد في الحسبان.
****
Security chaos in Iraq

Bragging by Iraqi Prime Minister Nuri Al-Maliki about his son’s responsibilities has unveiled the extent of the country’s security problems, writes Salah Nasrawi
There has been much debate about Iraqi Prime Minister Nuri Al-Maliki’s off-the-cuff remarks and bombast, but his disclosure recently that his son was leading the crackdown on his opponents was stunning to many Iraqis, who have viewed the remarks as being reminiscent of the powers once exercised by the sons of former Iraqi president Saddam Hussein.
Al-Maliki’s revelation that he had sanctioned a police raid by his son Ahmed against opponents also underscored the dilemma of the Iraqi security forces, which have failed to curtail the sectarian violence that many Iraqis believe is driving the country closer to the brink of civil war.
In a televised interview on 9 October, Al-Maliki admitted that he had authorised his son to arrest a contractor wanted on charges of embezzlement, tax evasion and the possession of arms.
“Though they have an arrest warrant to go and get this man, the security forces were afraid to do so because he is well connected and has ties with the media,” Al-Maliki told Al-Sumeria television.
“But Ahmed said, ‘give me the arrest warrant and I will bring him incommunicado,’ and this is what he did,” Al-Maliki said, adding that this was the second time that he had asked his son to carry out an arrest order.
“Ahmed is tough,” Al-Maliki boasted.
However, many Iraqis were outraged by Al-Maliki’s admission that he was assigning his son police duties. Some said the remarks were deliberately crafted to scare the prime minister’s critics.
 Al-Maliki’s pampering of his son has also rekindled Iraqis’ memories of Uday and Qusay, Saddam’s two hated sons, who were reported to have been responsible for many ruthless acts, including crackdowns and torture, when their father was in power.
Reacting to the revelation, some in the Iraqi media criticised Al-Maliki’s statement and ridiculed him for making his son the “Green Zone Cop”, a reference to the fortified centre of Baghdad.
Others mocked him for turning Baghdad’s tightly secured central zone, which hosts key government offices and foreign embassies, into the “State of Hamoudi”, a reference to Ahmed’s nickname.
Many media outlets reported that despite Al-Maliki’s brag, the contractor in question had not been arrested and had even allowed to escape abroad. They suggested that the row had actually been about the kickbacks that the contractor had failed to pay to Ahmed.  
Meanwhile, lawmakers snubbed Al-Maliki for letting his son take security matters into his own hands. Some MPs expressed their discontent over what they perceived as the humiliation by Al-Maliki of the country’s army and police.
“This is an insult to the army and the security forces that are fighting terrorists,” Hakim Al-Zamili, a member of the parliament’s security and defence committee, said.
Opponents said Al-Maliki’s remarks sent a strong negative message to the security forces to the effect that they were incapable of carrying out their duties in ensuring law and order.
Even some of Al-Maliki’s allies expressed their shock at his admission.
“When the prime minister says a million-man force cannot arrest a wanted thief, this is damning evidence of failure,” said Transport Minister Hadi Al-Amiri, a close ally of the prime minister and head of the Shia Badr Organisation.
Ahmed has long been rumoured to use his influence as one of his father’s key aides in filling official roles. In 2009, a Wikileaks cable described Ahmed, 27, as being a member of Al-Maliki’s inner circle, identifying him as the head of Al-Maliki’s private office.
However, Al-Maliki has not seemed troubled by the criticisms, though his spokesman, Ali Al-Mousawi, said Ahmed had been acting in his capacity as “the official responsible for state property in the Green Zone.”
By deciding to trumpet his son’s role in state security matters, Al-Maliki has retriggered criticisms of his heavy-handed style of leadership. He has also sparked fears that he could be tightening his control over Iraq’s embattled security forces ahead of crucial parliamentary elections next year.
The debate also extends to the realm of the Iraqi security forces’ effectiveness, which are widely seen as sectarian, corrupt, untrustworthy and incompetent.
Indeed, Al-Maliki’s disclosure speaks volumes about the inefficiency of the security forces, which have been largely blamed for failing to stop the bloodshed in the violence-ripped country.
The row comes as sectarian violence in Iraq is spiralling amid fears that the country is sliding into a civil war. Iraq has seen a sharp increase in retaliatory Sunni-Shia attacks in recent months, and more than 6,000 people, mostly civilians, have been killed this year.
It also comes as Iraq’s fractious government remains sharply divided over legislation governing power and wealth-sharing among Iraq’s ethnic and sectarian groups, especially a new and controversial draft elections law that distributes seats in parliament among the provinces.
However, the scandal concerning Al-Maliki’s son has now put the focus on the security forces’ infrastructure, operational capabilities, performance and relationship with the government.
In recent months, there have been increasing signs of growing dissatisfaction with the security forces as a result of their apparent inability to end the insurgency waged by Al-Qaeda, remnants of the former Saddam regime, and other Sunni militants.
Since the withdrawal of US troops from the country in December 2011, these groups have thrived in Baghdad and other Sunni-populated provinces, carrying out daring attacks and almost daily bombings targeting Shias and the security forces.
Tensions between Iraq’s Shia-led government and the Sunni community escalated following large-scale sit-ins across Sunni-populated provinces early this year, in protests against what the Sunnis see as their marginalisation after Saddam was ousted by the US-led invasion of the country in 2003.
Iraq’s security forces stand as an emblem of the sense of insecurity in the country, personifying in Iraqi minds the crux of the problem of rebuilding their devastated nation.
Most Iraqis are losing their faith in the security forces’ ability to ensure security, and while the Sunnis complain that the security forces are dominated by the Shias, some Shia politicians accuse the top army and police commanders of being former Saddam loyalists and say they lack allegiance to the government and interest in fighting the rebels.
On the other hand, many army and police generals have reportedly been complaining about the autocratic and unprofessional way Al-Maliki, also commander-in-chief of the armed forces, has been running the security portfolio.  
One of their main complaints has been that he has been stuffing the army and police with unskilled and sometimes untrained officers who are former members of Shia militias or loyalists to Shia groups in the government.
Iraq’s armed forces also face major problems such as corruption, extortion and lack of discipline.
On Sunday, Iraqi newspapers reported that Al-Maliki had formed a new joint operational command for the army and police, apparently to circumvent top generals who are not trusted by the government.
In recent weeks, reports have also surfaced that Al-Maliki’s government plans to form a new elite division that would be tasked with fighting the Sunni insurgency.
Iraq has 17 army divisions that form the backbone of its nearly half a million ground forces plus naval and air force units. In addition, there are some 400,000 police who operate as a paramilitary force.
According to press reports, the new division will be composed of Shias only and will be assigned the duty of protecting Shia-populated areas around Baghdad.  
There have also been reports that Shia militias, previously disbanded, are now considering plans to merge in a unified force to fight the Sunni insurgency.
News reports have suggested that the plans to create the new unified militia seemed to have received the blessing of Al-Maliki and other Shia leaders in the government.
The hope is that a unified force will help to protect the Shias and prevent local militias taking matters into their own hands.
Many Shia politicians and clergy have been pressing Al-Maliki to allow Shia militias, such as the Badr Organisation, formed in Iran and fighting alongside Iranians in the Iraq-Iran War in the 1980s, to take part in policing Shia cities and neighbourhoods.
Others have suggested that locals in hotbed areas be armed and allowed to form vigilante groups to defend Shia neighbourhoods.
But critics point to the mistakes and incompetence of Al-Maliki, who has shown himself to be incapable of managing both the political and the security portfolios and stopping the country’s unrelenting descent into chaos.
Central to this deep-seated sense of angst has been Al-Maliki’s failure to achieve the national reconciliation that would bring peace and stability to the deeply divided nation.
His inability, or unwillingness, to craft a credible national security strategy and build all-inclusive armed forces will only serve to reinforce Sunni suspicions and consequently insecurity in the war-torn country.
Many now fear that the politicians’ security responsibilities, such as in the case of Al-Maliki’s son, or the mobilising of Shia paramilitary groups, will provide cover for non-state actors and militias.
This will further exacerbate Iraq’s sectarian conflict and drive the country to the brink of all-out civil war.